الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

تقاطع الخطاب الاعلامي العراقي



تقاطع الخطاب الاعلامي العراقي - المشكلة ام الحل
بعد عصر المدفعية و عصر التجارة والمال باتت تقنيات الاتصال وشبكاته تمثل الجيل الثالث من الهيمنة على الشعوب أي انها امتداد عضوي لإرادة الهيمنة فإذا كانت الهيمنة الثقافية هي متلازمة إرادة الهيمنة السياسية، فإن الإعلام هو الحاضنة المترجِمة لتلك الإرادة. فحين تهيمن على مجتمعا ما ينبغي أن تهيمن على:
أولاً، الفضاءات والمواقع الجيوستراتيجية
ثانياً، الثروات الطبيعية، وبخاصة موارد الطاقة
ثالثاً، الأفكار و كيفية توظيفها لصالح المهيمن
وهنا بيت القصيد الهيمنة على الافكار واهم أدوات الهيمنة عليها هو الاعلام بوسائله المختلفة و يتصدرها في عالمنا اليوم الفضائيات فهي الوسيلة الاعلامية التي تسوق لنا الافكار في كل الميادين الفكرية وتفتح لنا كل الابواب المعرفية المغلقة مثل باب التغيير و الديمقراطية و حرية الرأي و الرأي الاخر و الدين و العقيدة و الوطنية و الولاء وغيرها من المفاهيم الفكرية .ولكن أي من هذه المفاهيم الحياتية سياسية كانت ام علمية فلسفية ام تاريخية دينية ام ادبية تسوقه لنا الفضائيات العراقية للهيمنة على افكارنا و هل ما تنتجه من هذه المفاهيم منتج صالح للتداول و التطبيق ام منتهي الصلاحية و لماذا ؟ كثيرة هي التساؤلات و المنتجات الفكرية التي تصلنا من خلال الخطاب الاعلامي الفضائي العراقي .
دعونا اذن نتعرف على كيفية و نوعية ما يصلنا من هذه المعارف لنبدأ اولا بمفهوم التغيير و كيف انتج و سوق من خلال هذا المنظور الفضائي الاعلامي العراقي !
باب التغيير و لكن أي تغيير ! فهل يا ترى ما نراه ونسمعه اعلاميا هو التغيير نحو الديمقراطية و حرية الرأي و ما يكفلهما ؟ وهل الذي طرأ على الساحة الإعلامية العراقية بخلافها و اختلافها و تنوعها وتقاطع خطابها الاعلامي نعده من باب التغيير ؟ و هل هو ضمن السياق الطبيعي لتطور الافكار ؟ وهل له معنى او لا معنى له خارج سياقه الطبيعي ؟
إذ تشير جملة من العوامل الجيوسياسية إلى توظيف الأنظمة والكيانات السياسية للإعلام الفضائي و خطابه فيما يخدم أهدافها ويضمن بقاءها وديمومتها،و لا سيما في غياب أي تغيُّير بنيوي حقيقي نوعي في النظام السياسي العراقي الحالي لا قبل و لا بعد دخول الامريكان للعراق .
فإذا كان مالك المحطات الفضائية هو النظام او المنتمي للنظام او الذي يسعى الانتماء له بصوره مباشره او غير مباشرة وكل مالك من هؤلاء مهما اختلف تسميته و صفته نشأ وترعرع و انتمى الى حقبة الدكتاتورية الى حد التجذر فعن أي دور سياسي وطني حر يمكن أن نتحدّث و عن أي حرية رأي و تغيير نوعي نتكلم؟!
لا بل الأجدر بنا أن نبحث عن النقيض للوطنية و التفرد وتغليب المصالح الخاصة و التجاهل والتلاعب و الاقصاء و التهرب من المسؤولية في الخطاب الاعلامي .
فكل فضائية تعد ذراعاً إعلامية لجهاز دولة أو كيان او حزب سياسي و وسيلته لتأكد حضورها والدور المناط بها تجاه مالكها .
فإذا كانت الحاجه في ظهور نظام جديد في وقتنا الحاضر يحقق الديمقراطية فإن حاجة الكيانات السياسية و الاحزاب في البقاء يفرض عليها التكيف مع هذا النظام ومتطلباته ومن هذه المتطلبات الا وهو مجتمع الاتصالات وعلى رأسها القنوات الفضائية.
إذاً الفضائيات العراقية المدعومة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من قبل جهات داخل او خارج العراق هي آلية تكيَف تلك الجهات مع تحديات ومتطلبات التغيير المزعوم او الديمقراطية الوليدة وهذا ما تؤكده برامجهم التي تبث على شاشاتهم. اما كيف تعاطت هذه الفضائيات مع فكرة التثقيف للديمقراطية الجديدة ؟ هذا ما سنراه
بما ان هذه الفضائيات شاءت ام ابت تؤمن بأن التغيير لا يمكن أن يبدأ إلا بثقافة ديمقراطية ولا يمكن أن يتجذر إلا بها وإلا فإن كل الأشكال والتدابير تقف عند حدود تغيير في الشكل فقط بأن تحل سلطة لا ديمقراطية محل سلطة لاديمقراطية لذا عمدت على تحقيق ديمقراطية افتراضية تعيق بناء الديمقراطية الحقيقية و بفضل القيمين عليها .
و بهذه الحقيقة الواعية المرة اضطرت هذه الكيانات و الاحزاب السياسية القائمة و المالكة و المتسلطنة على سطوة الاثير للتعاطي فكريا مع آمال ومطالب الشعب الذي انكوا بنار الاستبداد والطغيان السياسي وبعد ان اصبحت هذه الآمال ارادة قوية تشكل تهديداً مباشرا لبقاء او ديمومة أي استبداد سلطوي مها كان مصدره يحاول ان يقضي على طموحها ناهيك عن انها تنفست القليل من نسائم حرية الرأي و الرأي الاخر فسارعت هذه الكيانات وبكل جهودها احتواء هذا الخطر الاتي من ارادة الشعب لتقدم و تسوق له ديمقراطيتها الافتراضية من خلال قنواتها الفضائية التي تحمل وهم التغيير.
وهذا المنظور الافتراضي للديمقراطية غيب الكثير من المفاهيم الأساسية والثوابت البنيوية للمجتمع و التي لا يختلف عليها اثنين لذا غاب عنها بل تغيب مفهوم جوهري كمفهوم “السيادة” و المرتبط تماماً بالثقافة والممارسة الديمقراطية. فهذا التغييب المقصود و الممنهج لمفهوم السيادة من شأنه إرباك منظومة أخرى من المفاهيم فبغياب السيادة يتهاوى مفهوم “الوطن” وبالتبعية مفهومي “المواطَنة” والمواطن. ومن هنا اندفع الإنسان العراقي غريزياً، كما يُراد له من قبل الفئات المهيمنة نحو أطر تفسيرية أضيق يبحث فيها عن ذاته المفردة ”الأنا”، وذاته الجمعية ”النحن،” ليجدهما في دوائر تمسخ كليهما وتحيلهما إلى دوائر هزيلة وهشّة وغير قادرة على تخليق وإضفاء معنى على وجوده الشخصي والاجتماعي والسياسي دوائر من قبيل الفئة والطائفة والعشيرة والمذهب. وفي مجتمع كالمجتمع العراقي، تغدو تلك الدوائر الضيقة والمتصارعة منافساً وبديلاً وإجهاضاً لمفهوم الدولة العصرية. وفي مثل هذا الجو وهذا التدافع نحو الدوائر الصغيرة والمتصارعة تصبح غريزة البقاء هي الغريزة المهيمنة والناظمة لسلوك الجماعة وكما يصبح من الممكن والمتوقع الدفاع براغماتيا عن دولة مشرذمة (دولة الفئة أو الطائفة أو العشيرة أو المذهب) تُقدَّم فيها الرغبة بالبقاء والأمن والأمان على أية رغبات أخرى (كالرغبة في العدالة والحرية والتحرر).وهنا يصبح من الطبيعي ان نرى خطاب الفضائيات العراقية خطاب إجهاضي يرمي إلى تزييف واغتيال الوعي الجمعي لا لخلقه أو تشكيله وإنتاج ظرف سياسي مواتٍ لاستمرارية مثل هيمنة أطراف محلية كالعشيرة و الكتل السياسية و الاحزاب المدنية و الدينية وأطراف خارجية و دولية . وبعد هذا لا نملك إلا أن نتساءل استهجاناً: “فعن أي تغيير تتحدّث فضائياتنا وعن أي افكار بنيويه تسوقها لنا وعن أي مفاهيم بنائه تدافع عنها ؟!”
ونتساءل مرة اخرى هل يوجد خطاب اعلامي عراقي موحد متناغم منسجم مع الذات العراقية ام خطاب فئوي قومي مذهبي طائفي حكومي متقاطع بعضه مع البعض الاخر ؟ ولكي نعرف نوعية الخطاب الاعلامي العراقي لابد أذن من القاء نظرة سريعة على القنوات الفضائية العراقية من حيث الملكية و النشأة و الاهداف و ما تسوقه لنا من افكار متقاطعة .
بعد احداث مارس 2003 دخل العراقيون مرحلة الفوضى الخلاقة كما اسموها و اندمج الشعب العراقي عشوائيا مع المجتمع الدولي من خلال تكريس قيم الاتصال بالآخر عبر الأثير حيث أنشئت العديد من الفضائيات العراقية التي بلغ عددها حتى الآن أكثر من 50 فضائية أغلبها تبث على قمري (النايل سات) و(الهوت بيرد). لتشكل حزمة جديدة من الإعلام الفضائي الذي يحاكي متطلبات ما بعد إبريل 2003 . فهذه الفضائيات على الاطلاق لم تكن متهيئة مسبقاً نحو خطاب إعلامي عراقي يحاكي الشارع العراقي و يمد جسور التفاهم مع نظامه السياسي الجديد بطريقة مسؤولة إلا في حدود ضيقة .حيث تتلخص دافعية انتشار تلك القنوات في توجهها سياسياً أو دينياً أو معتقداً معيناً ولا توجد قوانين ضابطة لها ولا مواصفات مسبقة للقيمّين عليها، فهي استفادت من حرية الفضاء المفتوح اصلا لا الفضاء الذي هي فتحته بإرادتها وارادة خطابها الاعلامي وإذا أردنا أن نصف أثير الفضائيات العراقية الحالية فإنها تتوزع على النحو التالي:
1- الفضائيات الشبهة رسمية و الممولة من الحكومة المركزية متمثلة في شبكة الاعلام العراقية فشبكة الاعلام العراقية تعتبر هيئه مستقله مرتبطة بالبرلمان وهذا ما اضفى عليها صفة الشبه رسميه .قناة العراقية التابعة للشبكة درب كادرها من قبل شركة أمريكية متخصصة نالت العقد بشراكة مع قناة (
LBC) اللبنانية حيث أدخل كادر هذه الشبكة و على رأسها القناة العراقية في دورات تم الاعداد لها في بغداد ولبنان ودبي وأمريكا ولندن وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وأنفق عليها مبالغ ضخمة تتجاوز 200 مليون دولار لتقف على أنقاض القناة العراقية الرسمية السابقة- مؤسسة الإذاعة والتلفزيون - في الصالحية التي تعد أول قناة عربية ارضية أنشئت في المنطقة عام 1954 وهذه القناة أي (العراقية) تتأرجح بين خطاب الحكومة العام وخطاب الأحزاب التي تتكون منها الحكومة و مدعومة كلياً من الحكومة بميزانية تصل إلى ما يقرب مائة مليون دولار سنوياً علما ان الكوادر التي دربت آنذاك مهمشة الان لان كل مدير عام يترأس الشبكة يأتي ومعه كادر موالي له في كل شيء الا مهنة الاعلام و اغلبهم من الاهل و الاقرباء و البعيدين كل البعد عن الاعلام الاكاديمي لذا نرى برامجها تتبع ولاءات مديرها العام للساسة او للكتلة او الحزب او المذهب الذي ينتمي له لان منصب مدير عام الشبكة يخضع للمحاصصة .و يتبع الشبكة مجلس يسمى مجلس الامناء ويتكون من تسعة اشخاص و بدرجة وكيل وزير لكل امين منهم وتخضع كراسي الامناء في هذا المجلس هي الاخرى للمحاصصة لا للتخصص و التحصيل الاعلامي الاكاديمي ناهيك عن الدولة او البلد الذي يرتبط معه المدير العام بمصالح خاصة لذا يغلب على برامجها طابع الحياد تجاه الوطن في احيان كثيره او التجاهل او السكوت عما يجري بالبلد وضمنيا نراها بعيده عن مفاهيم كثيره كالسيادة و حقوق المواطنة و ثوابت الولاء الوطني او الوطنية و التشرذم السياسي و حرية الرأي و الرأي الاخر بالمختصر المفيد هي في وادي و الشعب العراقي في وادي اخر و لا نسمع منها وبكل تشكيلتها غير ترديدها لصدى صوتها ومن تواليه و هي مكشوفه امام المتلقي العراقي لذا لم تؤثر به اطلاقا .وتحتوي شبكة الاعلام العراقي على قناة العراقية ,الرياضية , الفرقان
2- الفضائيات المسيسة : وهي فضائيات تابعة للأحزاب والكيانات و الكتل ورجالات السياسية التي تتوزع على مناطق بغداد المنطقة الوسطى إقليم كردستان وفضائيات الجنوب وهي تمثل النوع الأكبر بين الفضائيات العراقية المسيسة ويبلغ عددها اكثر من 25 قناة وهذه الفضائيات تمثل لسان حال القوى السياسية الممولة لها والتي تعبر عن خطابها الأيديولوجي والاثني والمتمثلة في الفضائيات التالية : بغداد الفيحاء، الزوراء، صلاح الدين، بلادي، عشتار، الرافدين، آشور، آفاق، المسار، كوردستان، كردستان، الوطن، تركمان، السلام، الفرات، الكوفة، بابل , الرشيد, الرأي, الحدث , دجله اسيا , و سما الموصل ,
3- الفضائيات التجارية الربحية وهي في الغالب تتلقى دعماً خارجياً عربياً ودولياً تتميز بأنها قادرة على تشغيل كفاءات عراقية كانت قد تدربت اكاديميا في الحقبة السابقة ولها تاريخ لا بأس به في العمل التلفزيوني والإعلامي العراقي ممتزجة بخبرات عراقية وافدة من الخارج بعد ان عاشت فترة طويلة في الغربة بسبب الهجرة او التهجير من العراق لأسباب تنحصر بين السياسة و الطائفية و المذهبية . وتتلخص دوافع مثل هكذا مشاريع تجارية بالربح قبل كل شيء لكنها بالتأكيد لها أهداف وتوجهات فكرية تحاكي ثقافة مالكيها تتمثل في (الشرقية، البغدادية، السومرية، الديار , المنصور)
4- الفضائيات الترفيهية تهتم هذه الفضائيات بالموسيقى والغناء لا غير وهدفها التسلية و الترفيه و في الغالب يقتصر بثها على الفنون الغنائية والرقص والكليبات لاجتذاب جمهور يرسل المسجات عبر (السبتا يتل او البنر ) وهي بمثابة حصالة دراهم من أجل الربح السريع فقط مثل اغانينا ,و قيثارة
5- الفضائيات الثقافية المستقلة وهي رغم قلتها يحاول القيمون عليها أن يقدموا ثقافة المجتمع العراقي المستهلكة قدر المستطاع إلى العالم والمجتمع الدولي بطريقة لا بئس بها تعتمد على الإرث العراقي مثل قناة الحرية ,
6 - الفضائيات القومية و الدينية وهي ناطقة باسم الاديان و الطوائف و المذاهب المختلفة في العراق وهي الاكثر عددا و انتشارا و هدفها التدخل في حياة الافراد الشخصية بكل شاردة او واردة .الفرقان , كربلاء , الرافدين ,عشتار, اشور, كردستان ,
ان الفوضى الخلاقة التي أوجدت هذا الكم من القنوات الفضائية مرتبطة من دون أدنى شك بأكثر من متغير:
- عدم وجود قوانين محددة للعمل الإعلامي
- إلغاء وزارة الإعلام العراقية، التي كانت تمارس دور تنظيم العملية الإعلامية والإشراف والرقابة الصارمة على الأجهزة الإعلامية حتى الرسمية منها والتي ألغت كلياً فكرة وجود قنوات خاصة أو إعلام حر
- ضعف دور وزارة الثقافة و الاتصالات بسبب المحاصصة
هذا ما فتح الباب على مصراعيه لان تجول وتصول القنوات انفة الذكر في العراق دون رقيبا او حسيبا . لذا نرى اغلبها وخاصة الحزبية منها تشهر العداء لخصومها السياسيين وتصعّد من نبرتها الطائفية بين الحين والاخر لخدمة مصالحها الخاصة و التي تتماشى مع ما يحدث من صراع على الساحة بين الكيانات السياسية المتصارعة حتى اللعنة وتشن حرباً خطابيا اعلاميا على منافسيها مع التدني في كثير من الأحيان إلى مستوى الشتائم والتشهير متناسية المسؤولية الاجتماعية التي من المفروض التمسك بها و هي من ابسط ثوابت الاعلام .
أما قضية تمويل هذه الفضائيات فهو متشابك يتأرجح بين دعم مالي حكومي داخلي وخارجي ودعم تجاري (تبييض أموال) تجار ما انزل الله بهم من سلطان ودعم مالي سياسي خارج و داخل البلاد ودعم مالي طائفي و مذهبي من دول الإقليم ودول كبرى و غيرها من الجهات و بمختلف المسميات وهذا الدعم المالي يشكل أكبر تحد امام مصداقية تلك القنوات والقيمين عليها .
اما ما نوع الخطاب الاعلامي لهذه الفضائيات وما يحمل من مضامين فحدث بلا حرج لأنه يمثل حالة فريدة من نوعها يصل إلى حد التناقض التام فيما تبثه هذه الفضائيات و نظيراتها فالمنافسة حادة جدا لكننا بشكل أو بآخر نجد ان الخطاب الاعلامي لهذه الفضائيات يذكي الصراع السياسي الملتهب على الساحة العراقية و لهذه الاسباب تجد اغلب الفضائيات نفسها داخلة في خصومات سياسية عديدة مما يعرض كادرها للخطر لذا راح ضحية هذه الخطابات اكثر من 150 صحفيا و اعلاميا و احيانا التصفية الكاملة للقناة. هذا من جهة و من جهة اخرى تعتمد هذه الفضائيات على مصادر سياسية في حصولها على الأخبار و بالذات من البرلمانيين بصورة خاصة او ساسة العراق بصورة عامة و اغلبهم للأسف الشديد لا يعرفون كيف يخاطبون الجمهور ولا يميزون بين جمهور واخر و لا يهمهم مع أي جمهور يجب ان يتحدثون و أي جمهور يخاطبون وماذا يريدون بالخطاب و ماذا يحمل هذا الخطاب من اهداف و توابع و ماذا يعني الخطاب الاعلامي اصلا لانهم لا يفقهون الف باء الاتصال ولا بعلم نفس الاتصال وهذا انعكاس حقيقي لبئس السياسي العراقي بالأعلام و هيمنته و دوره في التأثير و التأثر و صياغة الرأي العام و من خلال مراقبتنا للوضع السياسي و الخطاب الاعلامي نلاحظ ان اغلب ما يطغي على الخطاب السياسي نرى ان الجميع ينادي بالوطنية و الدستور ومتخذيه ستارا لكل ازمة سياسية ولكن لم نسمع او نرصد انهم تفانوا من أجل جمع الشمل العراقي و ترتيب البيت العراقي باسم الدستور والقانون .
كما نلاحظ ان الخطاب السياسي يمتاز بالشمولية الضيقة و العمومية السطحية و السرد الوصفي المفتقر لجوهر الحدث فهو لا يسمي الاشياء بمسمياتها وهذا ما يفقده المصداقية و يدخله باب الاشاعات فمثلا عند التحدث عن الفساد و المفسدين يبتعد المرسل البرلماني او المسؤول عن ذكر اسمائهم وما هي عمليات الفساد التي ارتكبوها فلذا يطغى على خطابهم صيغة العموم التي تقترب من الخطاب الهلامي الزئبقي الساذج معتقدين انه خطاب نوعي الا ان هذا الخطاب يفتح كل الابواب على مصراعيها فتكثر الاقاويل و الاشاعات و التلفيق و السخرية و الكثير من المبالغات في نقله التي لا يتحملها الشارع العراقي وبدل ان يكون الخطاب يزن الامور بعقلانية نراه يخلط الاوراق و يبعثرها و هذا ان دل على شئي يدل على عدم معرفة السياسي بأدوات الاعلام وكيف يتعامل معها هذا اولا وثانيا لا يحسب حساب توابع ما يقول و كيف يؤثر على الرأي العام العراقي لذا نراه يخرج من مطب ليقع بمطب اخر اعمق منه يكلفه الكثير بما فيه شعبيته و مكانته السياسية و الاجتماعية معا .
اما الخطاب الاعلامي لمؤتمراتهم فهي الطامة الكبرى لا يدركون ان المؤتمر يجب ان يأتي بمنعطف سياسي جديد ضمن احداث غير مطروقة لكن للأسف اغلب حقائق مؤتمراتهم تعبر عن وجهات نظر كتلهم و احزابهم و يمكن القول اخبارهم وما يتناقلونه من احداث اغلبها مستهلكة لا تسمن ولا تغني من جوع ! في وقت يبحث فيه الشارع العراقي عن فسحة امل يتمسك بها . ناهيك عن الخطاب السياسي في المؤتمرات الخارجية و المحافل الدولية فهو اكثر بؤسا من الخطاب الداخلي فنراه اما فئوي طائفي او استجدائي تبريري و في كلا الحالتين يأتي على حساب كيان الدولة العراقية و شعبها و يعطي انطباع على تشرذمها و تفكك بنائها و غياب وحدتها و بالنتيجة نرصد خطاب سياسي عبارة عن شعارات عامّة، فضفاضة لا تأخذ منها لا حقاً ولا باطلاً او خطابا فلسفيا سفسطائيا بعيد كل البعد عن مسامع المتلقي المقصود و الأسوأ من هذا وذاك يفترض ان يكون السياسي ذات توجهات سياسية مدنية و يرتكز على ثوابت خطها له الدستور و اسس سياسية تدرب عليها من خلال كتلته او حزبه لينتج خطاب سياسي واضح وهدف معين وطريق مرسوم و اثق الخطى الا اننا نجده مأزوم مهزوم سرعان ما يتأثر بخطبه من هنا و قول من هناك فيهرول ليردد ما قيل وما سمع كالببغاء المضحك المبكي
اما الخطاب الاعلامي في الازمات الكبرى التي تعصف في البلاد مثل التفجيرات المستمرة و الفساد و الارهاب الداعشي و سوء الخدمات ومحاسبة السراق و ضعف الاداء البرلماني و الحكومي و تهريب الاموال و التورط بالمشاريع الوهمية و عقود النفط الكارثية التي رهنت نفط العراق على حساب الاجيال القادمة و اذكاء الطائفية و المذهبية و غيرها الكثر نرى الخطاب الاعلامي متقاطع كل يبكي على ليلاه و ليس على العراق
فأزمتنا أذن ازمة خطاب سياسي لأنه متقاطع مع بعضه البعض بعيد عن الوطن و المواطن يتعايش على الفتنه و الطائفية وقلة الوعي بمفهوم الوحدة و السيادة غارق في تبعية الحزب و الكتلة و المذهب و الطائفة لا يحترم القانون ولا يقدس الدستور ولا يعير اهمية لمشاعر المواطن و مصالح الشعب وانما يسعى لتحقيق مكاسب وقتية و مصالح حزبية و شخصية ضيقة ينهار امام ابسط امتحان لأن قاعدته المعرفية فعل ورد فعل غير مدروس ولا مستند على حقائق معينة وهذا ما لاحظناه من خلال التصريحات الكثيرة التي ادلى بها سياسيون ادت الى قطع جسور التفاهم بين المواطن و السياسي و بين الشعب و السلطة الحاكمة و انهارت الهالة المتحصن بها و اسقطت اغلب الرموز و انتجت لنا ظاهرة جديدة هي ظاهرة البرلماني التلفزيوني القوال الذي يتبعه هامش من التعليقات و التندر القاسي على قاعدة ( انا اصرح ...اذن انا موجود ) وهي جزء من تقاسم الادوار في التسويق الاعلامي فكم من مرة كرر السياسيون جملة ( حكومة شراكة وطنية ) والاستحقاق الانتخابي وآلية انتخاب رئيس الوزراء والتدخل الخارجي ونحن لانهمش احد وتطبيق اليات الدستور و لكننا لم نسمع تصريحا و احدا موحدا عن العملية التنموية والعملية التربوية والامنية والقيمية و البيئية و الصحية والاقتصادية و القضائية و الموقف من الارهاب وحجم الفساد الحقيقي وما هو الخلاف و الاختلاف بين الكتل و الاحزاب و اين الوطن من كل ما يدور في العراق و غيرها الكثير التي هي من اولويات اهتمام الشارع العراقي
علما ان ظهور تسمية السلطة الرابعة في بداية نشوء الانظمة الديمقراطية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر عندما قال المفكر الانكليزي الايرلندي (أدموند بروك) امام مجلس البرلمان البريطاني: ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت سقف البرلمان لكن هناك في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة وهي اهم منكم جميعا!
و هذا يعني ان الخطاب الاعلامي و الاعلام بصورة خاصة اقوى من السلطة التشريعية و التنفيذية و القضائية لو استثمرت و وجهت بصورة صحيحة
فكم نحن بحاجة للخطاب الهادئ الناضج الدقيق الواعي الحر في الاعلام العراقي ليكون اقوى واهم من كل السلطات في بناء الانسان العراقي وهو الهدف و الوسيلة معا لبناء العراق.
وعلى رأي الشافعي حين قال :

وأنطقت الدراهم بعد صمت ..... أناسا بعدما كانوا سكوتا
فما عطفوا على أحد بفضل ..... ولا عرفوا لمكرمة ثبوتا
د أقبال المؤمن

ليست هناك تعليقات: