الثلاثاء، 24 نوفمبر 2015

فن المقال



فن المقال

برز فن المقالة كتعبير ذاتي ، ووجهة نظر خاصة، ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالاتجاه العام لروح عصر النهضة. فهو ثمرة من ثمار التقدم الحضاري، لا يستطيع أن ينمو إلا في بيئة صحية، واضحة المعالم من حيث تصارع الآراء والأفكار، وتطور الفنون العامة وتقدم عجلة الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية، وتشكل ظاهرة الرأي العام. وليست المقالة بحثاَ علميًا، أو فصلا من فصول كتاب، أو قصة، أو محاضرة، وإنما هي فكرة يتلقفها الكاتب من البيئة المحيطة به ليتأثر بها ويؤثر من خلالها في الآخرين، ويقدم الوقائع كمجرد أمثلة لدعم موقفه، أو إثبات صحة رأيه. وعليه لابد أن تكون هذه الوقائع مقنعة وذات صلة وثيقة بخبرة القارئ ومعرفته من خلال العرض، والتحليل، والتعليل والشرح. وتقوم عملية اختيار موضوع المقالة على أساس الشروط والمتطلبات الآنية وبما يتناسب مع المهام المطلوب إنجازها. فهي قضية فكرية عامة وشاملة ترتبط بمجمل معطيات المرحلة التي تشير إلى اهتمامات الجمهور وقناعاتهم المختلفة. وهناك مصادر تخصصية وعامة لموضوعات هذه المقالة في حقول المعارف والعلوم الإنسانية والتجارب الحياتية.
 مفهوم المقالة ودلالتها:
رغم تعدد التعريفات التي أكدت أن المقالة بمنزلة تعبير عن إحساس شخصي، أو أثر في النفس، أحدثه شيء غريب، أو جميل أو مثير للاهتمام يبعث الفضول، أو المعلومة، أو الفكاهة والتسلية. تمتاز بتناولها جوانب مختلفة من حياتنا بما هو متاح من الحرية، واتساع الأفق. ولا يوجد خلاف بين المهتمين في الشأن الإعلامي في تحديد مفهوم المقالة سوى التركيز أحيانًا على جانب مهم من جوانبها.
أ – تعريف المقالة لغويًا:
أن المقالة في معناها اللغوي مأخوذة من (القول) بمعنى الكلام، أو ما يتلفظ به اللسان. فالمعاجم العربية وضعت مادة (مقال) ضمن (قول). وجاء في لسان العرب: (قال يقول قولا وقيلا وقولة ومقالا ومقالة). فهي مصدر ميمي للفعل (قال) مثلها مثل: قول أو قيل. كما أنها وردت بصيغة التذكير (مقال) وبصيغة التأنيث (مقالة) وهو ما نستخدمه الآن في وقتنا الحاضر مع تطور الدلالة. فالمقال ينبغي أن يتناسب مع الحال الذي يحيط به ومع الظروف الملابسة له. ووردت لفظة (مقالة) عند النابغة الجعدي:   مقالة السوء إلى أهلها      أسرع من منحدر سائل
ويؤكد د. جان كرم على هذا المعنى مضيفًا إليه توضيحًا آخر بقوله: إن تعريف المقال لغة يكمن في: (قال يقول قولا وقالا وقيلا وقولة ومقالا ومقالة، تكلم). أما اصطلاحًا، فالمقال هو تأليف كتابي متوسط الطول قياسًا على الخبر الكامل، يعرض فيه صاحبه موضوعًا محددًا. وقد نظر إليه من زاوية معينة أو اتفاقًا ووجهة نظر يأخذ بها كاتب المقال اما  د. عبد اللطيف حمزة في كتابه (المدخل في فن التحرير الصحفي) يحدد تعريف المقال بطريقة أخرى بقوله: يطلق الإنكليز على المقال اسم محاولة أي أنها شيء غير مكتمل. شيء يشبه المذكرات الخاصة، والخواطر المتناثرة. وعلى القارئ تكميل ما بالمقال من نقص، و  د. عبد العزيز شرف في كتابه (فن المقال الصحفي) يذكر أنه يدل في الأصل على المحاولة، أو الخبرة، أو التطبيق المبدئي
ب – المفهوم العام للمقالة:
د. نبيل حداد في كتابه (في الكتابة الصحفية) يعرف المقال الصحفي بأنه قطعة من النثر يتحدث فيها الكاتب بنفسه ويحكي بها تجربة مارسها، أو حادثًا وقع له، أو خاطرًا خطر له في موضوع من الموضوعات. والمقالة عند الغربيين عبارة عن قطعة من النثر تعالج موضوعًا خاصًا بالكاتب مما مارسه، أو خطر له، أو توهمه، أو ابتدعه. فالنظر الشخصي إذن هو ركن أساسي من أركان المقالة. ونواة المقالة هي فكرة، أو خاطرة مستوحاة من أي مصدر للكاتب الذي عايشه، أو قرأه ليبلوره بعد ذلك بموضوع محدد وطريق ما يبنى حول صورٍ مختلفة وأشكالٍ متكاملة من التعبير ولا يخرج عن هذا الإطار د. صالح أبو إصبع ود. محمد عبيد الله بقولهما: إن المقالة هي نوع من الأنواع الأدبية النثرية تدور حول فكرة واحدة، وتناقش موضوعًا محددًا، أو تعبر عن وجهة نظر ما وتهدف إلى إقناع القراء بفكرة معينة، أو إثارة عاطفة عندهم. ويمتاز طولها بالاقتصاد ولغتها بالسلاسة والوضوح وأسلوبها بالجاذبية والتشويق و . الكاتب أحمد أمين يشير إلى المعنى ذاته بقوله: هي من أهم صور النثر الأدبي وأمتعها، وهي إنشاء نثري قصير يتناول موضوعًا واحدًا، كتبت بطريقة لا تخضع لنظام معين، بل تتبع هوى الكاتب وذوقه  اما د. أديب خضور يعرف المقالة بشمولية أعم حينما يقول: إّنها نوع صحفي فكري تشكل الأحداث والظواهر، والتطورات، والأفكار الراهنة المطروحة موضوعه. وتتميز بمعالجة الموضوعات العامة، والآنية بقدر كبير نسبيًا من الشمولية والعمق مستخدمة أسلوب العرض والتحليل، والتقييم والاستنتاج وهادفًا إلى تقديم فهم كامل ورؤية فكرية معمقة لهذه الأحداث والظواهر والتطورات والأفكار، وربطها ببعضها وبمجمل التطور المادي والفكري الحاصل في المجتمع  و أن كاتبها يعالج فيها موضوعًا دون أن يزعم أنه سيدلي فيه برأي قاطع و. د. عبد العزيز شرف في كتابه الآخر(الأساليب الفنية في التحرير الصحفي) يشير إلى أن (مونتاني) قد أطلق على مقالاته اسم المحاولات. فأراد (مونتاني) لمقالاته أن تكون محاولات رخوة، بربطها بالأحاديث المستخفة والتجارب الشخصية. ولما تناول (بيكون) كتابة المقالة أقل فيها من الناحية الشخصية وزاد فيها من الناحية الدراسية. فأصبحت مقالاته اقرب إلى التركيز والإدماج منها إلى التبسيط والفكاهة. ولقيت مع ذلك رواجًا أي رواج. ويذهب العقاد إلى القول: إن المقالة ينبغي أن تكون مشروع كتاب في موضوعها لمن يتسع وقته للإجمال ولا يتسع للتفصيل. فكل مقالة في موضوع هي عبارة عن كتاب صغير يشتمل على النواة التي تنبت منها الشجرة لمن شاء الانتظار وقد أورد مختلف الباحثين تعريفات عديدة لمفهوم المقالة .عريف (جونسون) المقالة بأنها: وثبة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام. فهي قطعة لا تجري على نسق معلوم ولم يتم هضمها في نفس كاتبها، وليس الإنشاء المنظم في المقالة من شيء .و عرف (موري) المقالة بأنها قطعة إنشائية ذات طول معتدل تدور حول موضوع معين أو حول جزء منه و د. إبراهيم إمام يقول: إن المقالة هي الإنشاء المتوسط الطول، يكتب نثرًا عادة ويعالج موضوعًا بعينه بطريقة بسيطة موجزة. على أن يلتزم الكاتب بحدود هذا الموضوع، ويكتب عنه من وجهة نظره هو اما فرانس فابر يرى أن المقالة نوع من الأنواع الصحفية التي يستعان بها لدى إيراد البراهين والحجج، وتساعد على سوق الأدلة السياسية، ودحض وجهات النظر الخاطئة، والمعادية وتقوم بشرح عمليات التطور الاجتماعي وإبراز المعنى العميق لها واستخلاص النتائج الشاملة وتنسيقها 
قاموس (اكسفورد) يورد تعريف المقالة بأنها إنشاء كتابي معتدل الطول في موضوع ما، وهي دائمًا يعوزها الصقل. ومن هنا تبدو أحيانًا غير مفهومة وغير منظمة. أما قاموس (لاروس) فيذكر أن المقالة اسم يطلق على الكتابات التي لا يدعي أصحابها التعمق في بحثها أو الإحاطة التامة في معالجتها. ذلك أن كلمة مقالة تعني محاولة، أو خبرة، أو تطبيقًا مبدئيًا أو تجربة أولية . وعرفتها دائرة المعارف البريطانية أنها قطعة إنشائية ذات طول معتدل، تكتب نثرًا وتلم بالمظاهر الخارجية للموضوع بطريقة سهلة سريعة، ولا تفي إلا بالناحية التي تمس الكاتب عن قرب  وختامًا تعريف د. فاروق أبو زيد إذ يقول: إن المقال (بلفظه المذكر) هو الأداة الصحفية التي تعبر بشكل مباشر عن سياسة الصحيفة، وعن آراء بعض كتابها في الأحداث اليومية الجارية، وفي القضايا التي تشغل الرأي العام المحلي أو الدولي وذلك من خلال شرح الأحداث الجارية وتفسيرها والتعليق عليها بما يكشف عن أبعادها، ودلالاتها المختلفة. ويمكن أن يطرح كاتب المقال فكرة جديدة أو تصورًا مبتكرًا، أو رؤية خاصة يمكن أن تشكل في حد ذاتها قضية تشغل الرأي العام، وخاصة إذا كانت تمس مصالح القراء، أو تثير اهتماماتهم. وإذا كان الجانب الأكبر من المقالات الصحفية يعبر عن سياسة الصحيفة، كما هو الشأن في المقال الافتتاحي أو يعبر عن آراء كبار كتابها، كما هو الشأن أيضًا في العمود الصحفي أو المقال التحليلي. فإن هناك جانبا آخر من المقالات التي تعبر عن رأي كتابها الذين لا يعملون في الصحيفة. ولا يشترط أن يكتب هؤلاء بما يؤيد سياسة الصحيفة عملا بحرية الرأي. والمقال لا يقتصر على تناول الأحداث الجارية، وإنما يمكن في بعض الحالات أن يطرح كاتب المقال فكرة جديدة، أو تصورًا مبتكرًا أو رؤية خاصة يمكن أن تشكل في حد ذاتها قضية تشغل الرأي العام، وخاصة إذا كانت تمس مصالح القراء، أو تثير اهتمامهم لأي سبب من الأسباب
 المقالة والفنون الإعلامية الأخرى:
بإيجاز يمكننا التأكيد بأن الفنون الإعلامية تتكامل فيما بينها. والجهة المستهدفة بالإطار العام هي واحدة، أي الجمهور، والهدف كما ينبغي هو نقل الحقيقة، عبر عرض لوقائع أو إبراز آراء أو وجهات نظر. وتتداخل هذه الفنون بعضها ببعض مع بعض الفروقات المهنية. فالمقال مثلا  يشتمل على جميع الفنون التحريرية. ففيه عنصر الخبر، والتحقيق، والحديث، والاستيعاب لجميع المعلومات التي تتصل بالموضوع. وهذا يعتمد على شخصية الكاتب، وقدرته على التحليل والتعليل، وعلى مدى ثقافته وإحاطته بمجمل الأمور. وعلى تقييمه للأحداث
أ- المقالة والتعليق:
المقال هو معالجة ذات طابع نظري إيديولوجي لظاهرة أو قضية أو موضوع، في حين التعليق هو رأي وموقف إزاء حدث. والمقال يستخدم الحدث كشاهد لا تعنيه خصوصية الحدث وتفرده، بل يأخذ مغزاه ودلالاته للوصول إلى تعميم لرسم معالجة الظاهرة وتفسيرها. فالمقال أعم وأشمل وأوسع أفقًا ومجالا، كما أن الطابع الفكري للمقال هو الأبرز والأوضح والأعمق. ثم إن منهج التعليل هو أكثر تعقيدًا
ب – المقالة والرسائل الحرة والخبر:
أما الاختلاف بين الرسائل الحرة وفن المقالة تكمن في الاغلب في سمة الطول والزمن. فالمقال يمتاز بالقصر ولا يبلغ في طوله ما بلغته الرسائل الأدبية. كما هو أشد ارتباطًا بالزمن وبوقت معين ومحدد من هذه الرسائل .
سمات المقالة:
المقالة فن نثري يتميز بحجمه القصير أو طوله المتوسط ويقدم عرضًا لفكرة واحدة ورئيسية بأسلوب مبسط يبتعد عن التعقيد. وينبغي أن يكتب المقال باللغة التي يفهمها أكبر عدد ممكن من الشعب على اختلاف أذواقهم، أو بيئاتهم، وثقافتهم. وهذه اللغة يجب أن تتميز بالبساطة والوضوح والرشاقة. وتنأى ما أمكن عن صفات التعالي على القراء أو الغرابة في الأسلوب، أو المبالغة في التعمق الذي لا تقبله طبيعة الصحف بأي حال من الأحوال ولابد من مراعاة التخلص من الكلمات غير الضرورية، وعدم تكرار الأسماء، وعدم استخدام صيغة المبني للمجهول، مع تجنب استخدام المفردات، والمصطلحات، والتعبيرات التي تتبدل مع كثرة الاستعمال فتصبح تعبيرات جاهزة لا معنى لها و يفترض ان تكون لغة المقال هي لغة الحياة العامة، أي لغة المواطن العادي. فهي لغة يفهمها جميع القراء مهما اختلفت مستوياتهم التعليمية أو الثقافية أو الاجتماعية. وهي لغة تقوم على السهولة والبساطة والوضوح وتستفيد بكثير من دقة الأسلوب العلمي. ويجب ألا تكون هذه اللغة بلهجة عامية وإنما بلغة عربية فصحى . اما ما قاله عبد الله النديم في العدد الأول من صحيفة (التنكيت والتبكيت) عن المقال هو : إنه لا يريد منها (أي اللغة) أن تكون منمقة بمجازات واستعارات، ولا مزخرفة بتورية واستخدام، ولا مفتخرة بفخامة لفظ وبلاغة عبارة ولا تضطر لترجمان يعبر عن موضوعها ولا شيخ يفسر معانيها. وإنما هي في مجلسك كصاحب يكلمك بما تعلم، وفي بيتك كخادم يطلب منك ما تقدر عليه. ونديم يسامرك بما تحب وتهوى، وما أقرب فهم (النديم) لفن المقال من فهم (مونتاني) و(بيكون) له. وهذا ما يؤكده د. عبد العزيز شرف بقوله إن المقال مسؤول عن تقديم المعلومات إلى الجماهير بصورة مبسطة، مستساغة خالية من التفاصيل المعقدة مشرق الديباجة، قويًا في تعبيره جميل الأسلوب وفي مكان آخر يؤكد د. شرف أن هناك ثلاثة عناصر تحدد
أسلوب المقال وهي:
- استخدام الفن المقالي لألفاظ معينة تميزه عن سواه من فنون المقال.
- اتباعه لطريقة معينة خاصة به في ترتيب الألفاظ.
- معالجة موضوعه على نحو ينفرد به
كما يشير إلى أن المقالة ترتبط بوسائل الإعلام التي تحتوي على ثلاثة أنواع رئيسية من المضمون الإقناعي. أولها: الإعلام، وثانيها الدعوة المقصودة كالمقالات الافتتاحية والرسوم الكاريكاتورية، والأعمدة، والمقالات التفسيرية التي تؤدي بالقارئ إلى الوصول إلى استنتاج
وثالثها .: ذلك المضمون الذي يراد به أساسًا الترفيه، أو الإعلام بحيث يكون الإقناع منتجًا فرعيًا محتملا .
و من خصائص المقالة كأكثر الفنون صلة بجوهر الوسيلة الإعلامية وبهدفها الأساسي، المتمثل في التأثير في القارئ من خلال إقناعه وتوجيهه، وهو من أكثر الفنون مقدرة على تمكين الوسيلة من أن تحقق شخصيتها التحريرية المتميزة وذلك نظرًا لأن نوعية قارئ المقالة تختلف نسبيًا عن نوعية قارئ الخبر مثلا. كما أن اعتماد الوسيلة على كتاب بارزين يسهم في توسيع نطاق قراءتها وتوزيعها. فمن المؤكد أن شريحة واسعة من القراء تجذبها الأسماء الضخمة والمعروفة. والمقال يشبع حاجة القارئ إلى الفهم العميق للأحداث وإلى التقييم العميق للظواهر، وذلك ضمن رؤية شاملة، بعيدة عن النظرة المنعزلة أو الضيقة لحدث معين أو لقضية محددة. فهو أكثر جدية واحترامًا وفعالية ومقدرة على التأثير .و خصائص المقال هي السمة التي تحدد طبيعته كفن نثري يتميز بحجمه القصير أو متوسط الطول. فهو قطعة من النثر يتحدث فيها الكاتب بنفسه ويحكي بها تجربة مارسها، أو حادثًا وقع له، أو خاطرًا خطر له في موضوع من الموضوعات. والمقال عند الغربيين قطعة من النثر تعالج موضوعًا خاصًا بالكاتب مما مارسه، أو خطر له، أو توهمه، أو ابتدعه. فالعنصر الشخصي إذن ركن أساسي من أركان المقال. ونواة المقال فكرة أو خاطرة مستوحاة من أي مصدر للكاتب عايشه أو قرأه ليبلوره بعد ذلك بموضوع محدد يبنى حول صورٍ مختلفة وأشكالٍ متكاملة من خلال مما تبين نلحظ أن الاتزان والنضج والهدوء من أهم خصائص فن المقال وعلى الكاتب ألا يسرف في عرض عواطفه عرضًا مثيرًا وعليه نلاحظ من خلال هذا العرض العناصر الأساسية لفن المقالة من عنصر اللغة، وعنصر الأفكار أو المضمون فضلا عن عنصر الأسلوب الذي تم توضيحه. وتتباين طرائق الكتاب في استخدام هذه العناصر بناء على خصوصية تكوين الكاتب فكريًا، وطبيعة الموضوع المطروح، ونوعية القراء.
نشأة المقالة:
أ- المقالة في عصر النهضة:
المقالة وليدة روح التجربة في عصر النهضة، والعناية بالخبرة الإنسانية، والاهتمام برأي الفرد، والإيمان بقدرته. وهناك تطابق بين طبيعة فن المقال وروح عصر النهضة. ذلك أن المقال محاولة لاختبار فكرة من الأفكار، أو لتدبر رأي من الآراء، أو تأمل اتجاه من الاتجاهات النفسية والتعبير عنها بأسلوب سلس وجذاب .أن فن المقالة، ولاسيما الأدبي منه، قد رأى النور في عصر النهضة الأوربية. حين كانت أوروبا تزيح عن كاهلها كابوس العصور الوسطى، بما فيها من تعصب ديني وضيق أفق، وجهل مطبق. وقد امتازت هذه الفترة بظهور مدارس فلسفية جديدة. فبيئة المقالة كانت بيئة نزعة التفكير الفردي، والميل إلى المعرفة، والرغبة في التجربة في عصر النهضة. فكانت بيئة حرية، وإنسانية وفردية فتحرر الفرد من قيود العصور الوسطى بنظامها الاجتماعي الجامد، وبدأت حضارة جديدة بعد أن حلت التجارة محل الزراعة كأساس لهذا النظام، وبعد أن قامت مجتمعات جديدة مبنية على جهود الأفراد فالمقال اذن، هو ثمرة من ثمار التقدم الحضاري، فهو بطبيعته لا يزهو إلا في بيئة يتكون فيها الرأي العام، ويتقدم فيها العمل السياسي وتتصارع فيها الآراء والاتجاهات وينتشر فيها التعليم، وتنهض الفنون، وتصبح الديمقراطية اتجاهًا مقبولا لدى الجميع، وينتقل التفكير من الذاتية والأسطورية إلى الواقعية والموضوعية. وإذا كان عصر النهضة هو البيئة المواتية لظهور فن المقال الأدبي، فقد كانت عصور التقدم العلمي، والتنوير الفكري، وتكوين الرأي العام، وظهور الطبقة الوسطى التي تمتاز بعقلية واقعية. وتهتم بمشكلات المجتمع العلمية من أهم عوامل ظهور فن المقال الصحفي. وقد كان المقال الأدبي أسبق في الظهور من المقال الصحفي لارتباطه بوسيلة الاتصال التي جعلته وليد النهضة (الكتاب) كوسيلة للاتصال التي كانت سائدة في عصره. فإن هذا الأمر جعل المقال الأدبي يكتسب من هذه الوسيلة خصائص أدبية، دفعت بمريديه إلى أن ينظروا إليه كأثر أدبي يناظر القصيدة الغنائية. على أن المقالة الأدبية الحديثة عرفت سبيلها إلى الحياة على يد الكاتب الفرنسي (ميشيل دي مونتاني). وقد بدأت بذورها تتكون في نفسه عندما اعتزل الحياة العامة حيث كان يعمل في المحاماة وترك بوردو إلى مزرعته الريفية سنة 1570 . وذلك ليعيش حياة يرف عليها الهدوء، وتخصبها القراءة على حد قوله. ولقد طبعت شهرة مونتاني ومقالاته أرجاء القارة الأوربية ولم يمض وقت حتى عبرت المانش إلى إنكلترا. ففي سنة 1595 ، أي بعد وفاته بثلاث سنوات، ترجم جون فلوريو أحد نظار المدارس الإنكليزية هذه المقالات ولعل هذه الترجمة هي التي امتثلت للطبع سنة 1603. وأول أثر أدبي في اللغة الإنكليزية اتسم بميسم هذا الفن كانت مجموعة من المقالات (لفرنسيس بيكون) وكان ذلك سنة 1597 . وما لبث أثر مقالات (مونتاني) أن شق طريقه إلى الأدب الإنكليزي وكان ذلك على يدي (وليم كورنوالس) الذي أصدر مجموعة من المقالات في مجلدين ظهرا اعوام 1600- 1601 و لهذا اعتبر (مونتاني) أبًا للمقالة الحديثة، إلا أن الدارسين الغربيين أعادوا جذورها الى كتابات الفيلسوف ثيوفراستوس الذي عاش بين اعوام 287-370 ق . م و الى الانجيل و كتابات ماركوس اوليوس  180-120 ق.م و قد ذاع مصطلح المقالة في الأدب الغربي وانتشرت كتاباتها وتطور شكلها ومضمونها مع ظهور الصحف والمجلات في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وقد تطورت المقالة بعد ذلك تطورًا واسعًا بتعدد مضامينها وأفكارها، وما استدعته المضامين الجديدة، والتوسع فيها من أشكال فنية، وأساليب تعبيرية تجاوزت خطواتها الأولى في القرن السادس عشر.و ليس غريبًا أن يكون مونتاني منشئ هذا الفن. وهو الفيلسوف الذي قدر قيمة الفكر وذاتية الإنسان. وهو يذكر في مقدمة مقالاته التي صدرت في حزيران – يونيو 1588 (إن ذاتي هو موضوع مقالاتي).
وقد كانت هذه العبارة بحق إيذانًا بمولد فن المقالة. وأتى هذا الفن تعبيرًا ذاتيًا ووجهة نظر خاصة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاتجاه العام لروح عصر النهضة فتعده جزءًا لا يتجزأ من هذه الروح. وبهذا تعود جذور فن المقالة إلى مونتاني وفرنسيس بيكون، ووليم تمبل، وريتشارد ستل، وجوزيف أديسون ثم شارلس لام ولي هنت من القرن التاسع عشر آما اليوم و نحن في عصر الانترنيت  فقد ازدهر المقال النقدي فأجواء الديمقراطية وحرية الرأي و الرأي الاخر لها الأثر الملموس على تحرر افكار الافراد

ب - المقالة عبر التاريخ:
هناك من يقول: إن جذور المقالة بعيدة في التاريخ. فشأنها شأن كثير من الفنون الأدبية التي بدأت مع تدوين المنتج الفكري أي عندما  استخدام الانسان اللغة المكتوبة ومحاولة الاعتماد عليها في تسجيل آثاره الوجدانية وتاريخه الروحي. وعلى هذا الأساس يقال أن ثيوفراستوس، وهو تلميذ أرسطو طاليس، يعد رائدًا لمقالة الشخصيات. وقد جال في كتابه (شخصيات) جولات موفقة في تصوير بعض النماذج البشرية الشريرة. أما فلوطارفوس فقد وضع أسس المقالة التأملية في كتابه (أخلاقيات) وخاصة في فصله الذي سماه تأخير الطعام. وعندما طويت صفحة الرومان في سجل التاريخ وقامت على أنقاضهم المسيحية كسلطة مسيطرة عصفت بالوثنية والإشراك وتردى الأدب في هوة لا قرار لها واستمر في ترديه مدة قرون عشرة. فكانت هذه المدة مرحلة ركود اندثر فيها هذا الفن من الكتابة الأدبية أو كاد يندثر كما اندثر غيره من الفنون الإعلامية إلى أن انتعش ثانية على أيدي رجال النهضة. وقد ظهرت بذور الأدب المقالي بأنواعه المختلفة في الآداب القديمة قبل القرن السادس عشر. وهذا الأمر ليس فطنة للاستغراب. فالمقالة شأن سائر فنون الأدب الأخرى تقوم على ملاحظة الحياة، وتدبر ظواهرها وتأمل معانيها. وهذه ظاهرة نفسية رافقت الإنسان منذ ظهوره على وجه الأرض. بيد أننا نعثر في آثار الإغريق والرومان على صورة متطورة لهذه المحاولات البدائية حيث نلاحظ تباشير المقالة قد ظهرت في آثار بعض كتاب الإغريق أمثال فيثاغورس وهيرودوتس وتيوسيدايدس. كما أن أساليب بعض الفلاسفة والكتاب أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس و ثيوفراستوس و فلوطارفوس كانت ذات أثر مباشر في أساليب بعض أنواع المقالة الحديثة. . الا أن الانقلاب الذي رافق عصر النهضة مدعاة إلى وصل ما انقطع من التقليد الأدبي عند الإغريق والرومان. وهكذا عاد فلوطارفوس وسنيكا وشيشرون ثانية إلى تبوء مكان الصدارة. وظهر في هذه الفترة بعض الأعلام الذين مهدوا السبيل أمام ازدهار هذا الفن الأدبي . وكانت المقالة في القرن السابع عشر فنًا ثانويًا يعيش على هامش الفنون الأخرى كالشعر والمسرحية. أما في القرن الثامن عشر فقد انبرى لكتابتها أعلام الكتاب وتفرغوا لها واعتبروها فنًا قائمًا بحد ذاته. وكان من أهم ما أدخلوه إلى مقالتهم الحديثة الصور الشخصية. أما مقالة القرن التاسع عشر فقد تميزت عن مقالة القرن الثامن عشر باتساع نطاق الموضوعات التي أصبحت المقالة تدور حولها وازدياد طول المقالة وظهور  شخصية الكاتب واضحة جلية .
ج – نشأة المقالة عربيًا:         
يعتبر تطور الصحافة العربية هو الداعم الاساسي لهذه الفن الإعلامي علما ان بعض الدارسين ربط أصول المقالة بعدد من الفنون العربية القديمة كالخطبة والمقامة والرسائل. ولكننا نرى أن ربطها بالخطبة أمر لا يصح. إذ إن المقالة فن مكتوب له شروطه الخاصة. كما أن الخطبة فن قولي شفوي يشترط خطيبًا ومستمعين وأسلوبًا خاصًا يختلف اختلافًا بينيًا عن المقالة. أما صلتها بالمقامة فهي تقترب من القصة والفنون السردية لكنها بعيدة عن طبيعة المقال وبنائه. في حين يؤكد بعض الباحثين أنه من الخطأ أن ننظر إلى المقال الصحفي على أنه شيء جديد كل الجدة في تاريخ الأدب العربي، في حين هو شيء له مقدماته التي مهدت لظهوره . حيث قالو إن بذور المقالة في أدبنا ظهرت في القرن الثاني للهجرة وتمثلت في أحسن صورها في الرسائل وخاصة الإخوانية والعلمية. وفي القرن الرابع َ خطت الرسائل خطوة ذميمة نحو التكلف والرهق فغدت وإن تنوعت موضوعاتها متحجرة الأسلوب يبعدها في نظر النقد عما يقتضيه أسلوب المقالة الحديثة من تدفق وحرية وانطلاق. لهذا يعتبر تاريخ المقالة في أدبنا الحديث كفن قائم بذاته مرتبط بتاريخ الصحافة ارتباطًا وثيقًا. وقد ظهرت صحف عديدة (كحديقة الأخبار) عام 1858 لخليل خوري في لبنان والشركة الشهرية والزهرة والنجاح والتقدم. وهذه الصحف هي التي وضعت الأسس التي سارت عليها المدرسة الصحفية الأولى، مدرسة القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين.
فعندما نشأت الصحافة على أنها أداة لتعليم الأمة وتثقيفها وتنويرها وتوجيهها. وكانت الأداة لهذا كله هي المقال. فقد كان المقال هو الأصل الأساس وصاحب المكان الأول في تحرير الصحيفة منذ أن نشأت الصحافة في نهاية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. ولعل منشئ هذا الفن في البلاد العربية هو رفاعة الطهطاوي 1801-1873 صاحب (تخليص الإبريز في تلخيص بأريز). ففي البداية لم يكن معروفًا الفرق بين المقال الأدبي والمقال الصحفي إلى أن جاء الشيخ محمد عبده فأخذ يقترب شيئًا فشيئًا من لغة. الصحف. ثم جاء السيد عبد الله النديم واقترب كثيرًا منها. وأعانه على ذلك ميله الطبيعي إليها ويشير د. جان كرم إلى أن أوائل المقالات الأدبية عند العرب تعود إلى عبد الحميد بن يحيى الكاتب ثم الجاحظ، ولكنها لم تتبلور في شكلها الحديث إلا في عهد احتلال الإنكليز لمصر مع علي سوف ومصطفى كامل، وولي الدين يكن، وسليم سركيس، ومحمد رشيد رضا وخليل مطران. وذلك بعد أن كان رفاعة الطهطاوي، وعبد الله أبو السعود، وأديب اسحق، وسليم النقاش وسعيد البستاني ومحمد عبده، وبشارة تقلا قد قاموا بخطوات أولية في هذا المجال. وقد تطور فن المقالة تطورًا واسعًا من مجال الأدب إلى مجال الصحافة في العصر الحديث. فإذا كانت المقالة انطلقت في أوربا بشكلها الأدبي كما نعرفه اليوم خلال عصر النهضة، فقد تطورت إلى شكلها الصحافي خلال عصر التنوير. أما في وطننا العربي ولاسيما في مشرقه ، فقد انطلقت المقالة الأدبية كما نعرفها اليوم متزامنة مع عصر النهضة في أوروبا أو سابقة عليه. وانطلقت المقالة الصحافية مع عصر التنوير الأوروبي الذي كان له أثره في المشرق العربي بخاصة، من خلال مقالات محمد عبده وغيره من معاصريه. ويمكن تلخيص عوامل ازدهار المقالة العربية في:
- انتشار الصحافة وازدهارها.
- الإحساس بضرورة التغيير مع قدوم عصر النهضة وما نتج عنه من تفاقم المشكلات السياسية والاجتماعية، والفكرية، والأدبية.
- التأثر بالمذاهب والاتجاهات والأفكار القادمة من الغرب.
- ظهور الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية.
 - تأسيس المدارس والكليات .
د- تطور فن المقالة حديثًا:
ذكر الكثير من الباحثين في هذا المجال إلى ان أهم العوامل التي أسهمت في تطوير فن المقال الصحفي في النصف الثاني من القرن العشرين. هي :
- المنافسة بين وسائل الإعلام حيث واجهت الصحف مواجهة شديدة من الإذاعة والتلفزيون. مما جعل الصحف تبحث عن بديل للسبق الإخباري الذي ضاع منها، فاتجهت إلى مزيد من التفسير والشرح والتحليل، وتقديم خلفيات الأحداث وهذا ما يمكن تحقيقه من خلال المقالات.
- أضحت المقالة من أهم الوسائل للتأثير في الرأي العام ونقل المعلومات للجمهور.
- ظهور مؤسسات مستخدمة للمعلومات بطرائق حديثة.
- نشاط حركة الترجمة. وبهذا أصبحت المقالات المنتشرة خارج الحدود جاهزة للترجمة إلى مختلف اللغات. ولقد أجمل د. عبد العزيز شرف هذا الواقع المؤثر في تطور فن المقالة بقوله: إن من أسباب ظهور فن المقال الصحفي في البلاد العربية هو ملاءمة البيئة الفكرية، والثقافية، والسياسية والاجتماعية لطبيعة فن المقال. وهي البيئة التي شهدت ظهور الرأي العام وتكونه من خلال الصحافة، والتعليم والرغبة في التغيير السياسي والاجتماعي. تلك هي العوامل التي هيأت لظهور فن المقال الصحفي لأنه بطبيعته فن حضاري يزدهر في بيئة الفكر والعلم والنهضة. إن طبيعة المقال تستلزم بيئة مناسبة للنمو والازدهار .
وظائف المقالة:
لا يمكن الحديث عن المقالة كفن من الفنون الصحفية دون تحديد وظائفها العامة والشاملة. وهذه الوظائف هي جزءًا لا يتجزأ من النشاط الفكري والإعلامي بمختلف أوجهه لخدمة المجتمع ووجهات نظر مختلفة سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية. توحدت جهود الباحثين لإبرازها بشكل أو بآخر.
فالمقالة تستطيع أن تسهم في إنجاز جميع الوظائف التي تسعى إليها الفنون الإعلامية. إلا أن الوظيفة الأساسية الأهم التي تستطيع المقالة أن تنجزها تتمثل في نشر التوعية، والتثقيف والبناء الفكري. فالمقالة فن صحفي فكري غير إخباري يعتمد أساسًا على عناصر التحليل والبحث والدراسة والتجريد والتعميم والتفكير. ويتوجه أساسًا إلى ذهن القارئ وتفكيره، ويقدم فهمًا معمقًا لقضية ما ويسعى لخلق قناعة جديدة لدى القارئ إزاء هذه القضية، أو لتعديل قناعة قديمة موجودة في ذهنه. ويجهد لتوسيع إدراك القارئ وتنمية وعيه وتعميق فهمه للحوادث، والظواهر، والتطورات بقصد المساهمة في تنشئة المواطن وفق رؤية الكاتب . وهذا يعني إن المقال الصحفي يقوم بأداء وظائف الإعلام، والتفسير، والشرح، والتوجيه والإرشاد  والإمتاع، والتعليم، والتنشئة الاجتماعية. فهو مسؤول عن تقديم المعلومات إلى الجماهير ومن وظائف المقالة المهمة هو عرض حقيقة ما وتقديم رأي ما في نسق منطقي موجز، وممتع يهدف إلى الإمتاع والمؤانسة والتوجيه والإرشاد، والتفسير لأنباء ذات مغزى وأهمية، وتناول الأحداث الجارية ذات الدلالة الكبيرة التي تقتضي الشرح والتفسير. كما يعنى المقال بالتعليق على الخبر، ويبين مغزاه السياسي، أو الاجتماعي أو الثقافي. كما له وظيفة تربوية ملهمة يقوم بأدائها مع نظرائه من فنون القول والاتصال والتربية والتنشئة الاجتماعية السياسية والعسكرية. كما يوظف المقال الصحفي فنون المقالة الأدبية من قصصية ووصفية و نزاليه وكاريكاتيرية لأداء مهام الفن الصحفي الذي يقوم في جوهره على أنه فن تطبيقي وليس فنًا تجريديًا . فهو يقدم المعلومات والبيانات، فضلا عن الأفكار الجديدة حول قضايا ومشاكل معاصرة أو قديمة تشغل اهتمامات الرأي العام، وتفسير هذه الموضوعات، وتثقيف القارئ عن طريق إمداده بالمعلومات والأخذ بهدف التسلية والإمتاع ناهيك عن التعليق عليها بما يوضح أبعادها أو جوانبها المختلفة،
أجزاء المقالة:
تتماثل المقالة بأجزائها مع الفنون الإعلامية الأخرى كّلها. ولا يوجد خلاف في ذلك بين مختلف المهمتين في هذا الشأن. و هذه الأجزاء هي المقدمة، ومتن المقال، والنتيجة التي خلص إليها المقال. فالمقدمة هدفها تعريف القارئ بالقضية المثارة، وجذبه للاهتمام بها، ومن ثم متابعة قراءة الأفكار. أما متن المقال أو جسمه فهو يتضمن الوقائع الذي يقوم الكاتب بتحليلها وتفسيرها من خلال الأدلة والبراهين ومن ثم يعرض النتيجة النهائية التي توصل إليها في نهاية التحليل. ويتوسع البعض إلى أن المقدمة تشمل الفكرة الأساسية للموضوع. فهناك جملة تمهيدية عن موضوع المقالة، وجملة مناقشة، وجملة استنتاجيه، أما جسم الموضوع فهو يشمل كافة ما ذكر عن وظائف المقال و مناقشة فكرته  والخاتمة التي يقدم الكاتب فيها خلاصة ما يكتبه وفي شرح آخر ينظر إلى هذه الأجزاء على أن المقدمة (Introduction) يجب أن تشتمل على جملة محورية . (Topic sentence) أي الفكرة الأساسية التي سوف يتم مناقشتها ومن الشروط الواجب مراعاتها في المقدمة هي:
- أن تشمل الفكرة المسيطرة التي سيتم تطويرها في المقالة.
- ويفضل أن تكون جملة الموضوع في بداية المقالة، والفكرة المسيطرة هي الجزء الأساسي في موضوع المقالة. وهي عبارة عن كلمة أو شبه جملة، أو جملة محددة معروفة.
- أما أفضل مكان تكتب فيه الفكرة المسيطرة فهو في نهاية جملة الموضوع التي يجب أن تكون قصيرة ومختصرة.
- ويجب تجنب الجمل ذات النهايات المغلقة التي تعوزها الفكرة المسيطرة.
- كما يفضل تجنب صيغة السؤال الصريح أو التنبؤ بشيء في جمل الموضوع.
(Body) أما الجسم فهو يشكل الجزء الأساسي من المقالة. ففيه يتم عرض البيانات والحقائق والأدلة. ويتكون من فقرة أو عدة فقرات، وكل فقرة يجب أن تتسم بالوحدة والتماسك، والترتيب المنطقي.
و الخاتمة (conclusion) هي بمنزلة خلاصة ما يريد الكاتب قوله . وهناك العنوان (Title) الذي ينهض بدور كبير في جذب القارئ، وإثارة اهتمامه لقراءة المقالة. ولذلك يجب أن يتسم بالتركيز والإيجاز والتعبير عن الموضوع، والقدرة على جذب القارئ أو تشويقه. كما يجب أن يكون واضحًا بعيدًا عن الغموض، ودالا شاملا بحيث يشير إلى القضية التي يبرزها الكاتب. وقد ذكر ستانلي جونسون وجليوان هاريس مجموعة من الشروط التي يجب أن تراعى عند كتابة العناوين:
- تجنب تكرار الألفاظ والأفكار.
- تجنب العناوين التي تسبب اضطرابًا أو غموضًا.
- ينبغي أن ينقل العنوان شيئًا جديدًا، ويوحي بأن هناك عملا قد أنجز أو حدثًا قد تم.
- يفضل استخدام الفعل المبني للمعلوم على المبني للمجهول.
- يمكن استخدام الفعل المضارع.
- يجب أن يكون واضح العبارة تبدو عليه الجدة.
- لابد من اختيار الكلمات التي تنقل الفكرة المطلوبة.
- تجنب استخدام اللهجة العامية.
- عدم استخدام الاختصارات.
- ينبغي عدم إقحام الرأي في العنوان.
- ينبغي عدم استخدام الكلمات الزائدة
 أنواع المقالة:
هناك العديد بل الكثير من أنواع فن المقالة. وقد أبرز الباحثون أنواعًا مختلفة في هذا الإطار. ولا يوجد تضارب في ذلك ولاسيما أنها ترتبط بطبيعة المقالة ومضمونها. منها المقالة الاجتماعية، والنقدية، والقصصية، ومقالة الصور الشخصية، والرسائل العرضية، والمقال النزالي، والنقدي، والكاريكاتيري، والقصصي، والعلمي، والمذكرات أو اليوميات، والمقال الذي يأتي على شكل رسالة مع قارئ .
 إلى أن المقال يمكن تقسيمه حسب الموضوع أو وفق التوجه والهدف ،والمعالجة.
أ - فحسب الموضوع:
- يوجد المقال الأيديولوجي الذي يعالج قضايا ذات طابع أيديولوجي.
- مقال سياسي الذي يطرح معالجة سياسية.
- المقال التوجيهي التنظيمي الذي يدور حول قضايا متعددة، ولكن الصفة الغالبة هي العمل والإدارة والإنتاج.
- المقال الاقتصادي الذي يبحث في قضايا وشؤون اقتصادية.
- المقال الثقافي، العلمي، التربوي أو الرياضي أو الفني.
ب - مقال حسب التوجيه أو الهدف أو المعالجة:
- المقال الدعائي النظري.
- المقال الإعلامي.
- المقال التوجيهي الإرشادي.
- المقال التقويمي.
- المقال الجدالي
و هناك أنواعًا مختلفة تبعًا لمادتها وأسلوبها وأهمها:
- المقالة التقليدية أو الرسمية.
- المقالة غير التقليدية وهي الذاتية أو الحرة.
- المقالة الشخصية.
- المقالة الاجتماعية.
- المقالة النقدية.
 - والمقالة الخلقية .
و هناك المقالة الوصفية أو العرضية بحيث تتناول وصف الكاتب لشيء كما يراه و يعتقده هو لا كما هو في طبيعته. والمقالة النزالية التي يلجأ إليها الكاتب للدفاع عن قضية معينة يعتقد في صحتها وضرورتها، ويرد فيها على مزاعم خصمه. والمقالة النقدية التي تعبر عن وجهة نظر الكاتب تجاه موضوع معين، والمقالة الكاريكاتيرية والقصصية، والمقالات على شكل رسائل. فضلا عن المقالة الصحافية. هناك من يشدد على المقالة الأدبية ومقارنتها بالمقالة الصحفية والمقالة الذاتية والموضوعية، ومقالة التحليل والمقالة النقدية. فالمقالة الأدبية حسب رأي بعض الباحثين تمزج بين الحقيقة و الخيال، وتعتمد على إبقاء العلاقة الحميمة مع القارئ وتتوجه إلى عامة الناس. و يؤكد البعض على: إن المقالة الادبية يجب أن تصدر عن قلق يحسه الأديب مما يحيط به من صور الحياة، وأوضاع المجتمع على شرط أن يأتي السخط في نغمة هادئة خفيفة. وهي أقرب إلى الأنين الخافت منها إلى العويل الصارخ. كما لا بد من أن تعبر قبل كل شيء عن تجربة معينة مست نفس الأديب، فأراد أن ينقل الأثر إلى نفوس قرائه. ومن هنا قيل: إن المقالة الأدبية قريبة جدًا من القصيدة الغنائية.
اما الفرق ما بين المقالة الأدبية والصحفية إن الأديب أمامه متسع من الوقت ليكتب ما يشاء، وينشر متى يشاء. أما الصحفي فإنه مقيد بالمطبعة، ومرتبط بمواعيدها تلهبه بسوطها وتوقظه من سباته وكسله. فالأديب قد ينتظر الإلهام، أما الصحفي فعليه أن يكتب بمنتهى السرعة وفي مواعيد منتظمة انتظامًا دقيقًا. وفي زاوية أخرى إذا كانت الكتابة عبارة مضمون وصياغة، فإن المقالة الأدبية تضع الصياغة في المكان الأول أما المقالة الصحافية فإنها تهتم بالمضمون والفكرة التي ترمي لإيضاحها في يسر وجلاء. وإذا جاز لنا أن نشبه المقال الأدبي بلوحةٍ زيتية متعددة الألوان فإن المقالة الصحافية صورة من اللونين الأبيض والأسود فقط. ولكنها تعبر عما تريد بوضوحٍ وبساطةٍ وقوة. بل إن المقالة الصحافية أشبه شيء بفن الرسم الكاريكاتيري الذي يعبر عن رأي ما في سرعة وسخرية، ولكن في قوةٍ وحيوية. أما المقالة الأدبية فهي صورة مليئة بالألوان. والسرعة هي أهم ميزات الكتابة الصحفية . وإذا كان عصر النهضة هو البيئة المواتية لظهور فن المقالة الأدبية. فقد كانت عصور التقدم العلمي، والتنوير الفكري وتكوين الرأي العام، وظهور الطبقة الوسطى من أهم عوامل ظهور فن المقال الصحفي فالفارق بين المقالة الصحافية والأدبية من حيث الوظيفة والموضوع واللغة والأسلوب. فالمقالة الأدبية تعبر قبل كل شيء عن تجربة معينة مست نفس الأديب. فأراد أن ينقل الأثر إلى نفوس قرائه. أما المقالة الصحافية فتتصل أكثر ما تتصل بأحداث المجتمع، كما تفترض وجود رأي عام تخاطبه وتتحدث إليه. و هذا يعني ان المقال الأدبي يدخل في اعتباره عواطف الفرد ووجدانه، أما المقال الصحفي فيهتم بالوجدان الجماعي. وقد وظف المقال الصحفي فنون المقال الأدبي لأداء مهام الفن الصحفي وطبعها بطابعه كفن تطبيقي وليس فنًا تجريديًا و اذا كان المقال الأدبي يهدف إلى أغراض جمالية، ويتوخى درجة عالية من جمال التعبير. فهو يوظف الصنعة في إطار ما يشاع عن خلود الأدب. أما المقال الصحفي فإنه يهدف أساسًا إلى التعبير عن أمور اجتماعية وأفكار عملية بغية نقدها أو تجنيدها. وهو يرمي إلى التعبير الواضح عن فكرةٍ بعينها وكأن الوظيفة الاجتماعية في المقال الصحفي تتقدم على أي ناحية أخرى كالمتعة الفنية مثلا.
المقالة الذاتية والموضوعية. فالمقالة الذاتية ُتعنى بإبراز شخصية الكاتب ولا يضبطها ضابط في الأسلوب وطريقة العرض. و المقالة الذاتية تعتمد على إبداع شخصي ولا تحكمها قاعدة. كاتبها يكتب عن الأشياء المألوفة أكثر من كتابته في الشؤون العامة أو المتخصصة. وهو يكتب مرتاحًا إذ يبوح فيها عن مكنون ذاته. وقد تكون المقالة هذه سردًا، أو وصفًا، أو انطباعًا أو حلمًا
أما المقالة الموضوعية فهي تهتم بالموضوع بأسلوب واضح وبسيط خالٍ من الغموض والشوائب، وتحرص على التقيد بما يتطلبه الموضوع من منطقٍ في العرض والجدل واستخلاص المقدمات واستخراج النتائج و المقالة الموضوعية يحكمها منطق البحث ومنهجه الذي يقوم على بناء الحقائق على مقدماتها. فهي تغطية لمجالات المعرفة جميعها. وتحتاج إلى موقف، ووجهة نظر كالمقالة الذاتية مع تركيز أقل على الكاتب. كما يجب أن تمتلك وقارًا أكبر، ومجا ًلا أوسع وتنظيمًا أدق، وتحقيقًا أعظم للهدف.
اما المقال التحليلي فهو فنا إعلاميًا يغوص في أعماق الحدث ويشمل جميع جوانبه محللا عناصره بإفاضةٍ مفسرًا مغزاه شارحًا خلفياته القريبة والبعيدة، موضحًا علاقته المباشرة وغير المباشرة بأحداث لوقائع أخرى حديثة وقديمة. فهو يلتزم آنية نسبية. يرصد الحدث بهدوء ويرقب تطوراته، ويتابع تفاعلاته، ويحاول اكتشاف روابطه بوقائع متزامنة معه أو سابقة عليه، أو لاحقة به. كل ذلك يتطلب التريث، وتمرير فسحة زمنية مناسبة تسمح لكاتب مقال التحليل بتناول حدث ناضج مكتمل الجوانب تقريبًا. يخاطب هذا الفن الإعلامي العقل، ويتوجه إلى جمهور متميز ثقافيًا وواعيًا اجتماعيًا. فهو ذو طبيعة إقناعيه، عقلانية لا يشوبها أي استدعاء انفعالي أو أي تحريك مشاعري. و يعد من أبرز فنون المقال الصحفي وأكثرها تأثيرًا. فهو يقوم بتحليل عميق للأحداث والقضايا التي تشغل الرأي العام. وهو لا يعبر عن سياسة الصحيفة وإنما يجب ألا يختلف معها. فهناك مساحة كبيرة من الحرية تمنح لكاتب المقال التحليلي . وهو لا يقوم على الإنشاء بل يعتمد على قسم البحوث في الصحيفة وقسم المعلومات وعلى ما تنقله وسائل الإعلام من تغطية لأهم الأحداث . وهو فن مقالي متميز في الصحافة المعاصرة يستوعب الخطاب السياسي والنقدي، ويفسر النبأ أو الحدث في ضوء حركة الأحداث عمومًا. ويشكل المنطق صميم المقال التحليلي تأسيسًا على أن التحرير بفنونه المختلفة تتلخص في معادلة فحواها أن التحرير: تفكير + تعبير. ويؤدي المقال التحليلي بصورة أساسية وظيفة تكوينية – توجيهية ذات طابع إداري بعيد المدى. فهو ينطلق من الحدث المركب والمتشابك مع غيره من الأحداث ليشكل موقفًا عامًا، وليبلور تصورًا مستقبليًا حول جملة من المسائل والقضايا المترابطة. كما يؤدي دورًا ثانويًا، ووظيفة إنباءيه إذ يدرج بعض المعلومات الجديدة كأدلة وشواهد بهدف بناء النص التحليلي بشكل موضوعي ومنطقي يتمتع بمصداقية كبيرة .
أما المقال النقدي فهو يشمل معظم النشاط الإنساني الأدبي والفني والعلمي. فهو يقوم على عرض الإنتاج الأدبي والفني والعلمي وتفسيرهما وتحليلهما وتقديمهما؛ وذلك من أجل توعية القارئ بأهمية الإنتاج ومساعدته في اختيار ما يقرأه أو ما يشاهده ويسمعه. فالمقال النقدي قلما يتجه إلى ما يسمى بالنقد الانطباعي الذي عرف في مراحل سابقة. قد استجاب المقال النقدي في العصر الحديث للمقتضيات العلمية التي أكسبته بعدًا يتعادل مع البعد الأدبي في تناول الأعمال الإبداعية من خلال مقاييس نقدية تسعى بجهد دؤوب إلى التخلص من ذاتية الانطباعية في محاولة الانتساب إلى موضوعية العلم والإفادة من مناهجه في البحث والنظر والتحليل .
اما المقالة الصحافية وتفرعاتها المهنية البحتة في الحقل الإعلامي والتي نطلع عليها بشكل يومي من خلال الصحافة اليومية. وننتظر بعضها يوميًا أو أسبوعيًا. ربما لأهمية الكاتب وحضوره المهني والفكري الواسع، أو نظرًا لمضمون هذه المادة الإعلامية. و لها عدة انوع منها :
المقال الافتتاحي أو العمود الرئيسي،
 العمود الصحفي
اليوميات الصحفية.
المقال الافتتاحي:
أ – تعريفه:
يعبر هذا المقال عن رأي الصحيفة تجاه حدث ما كما يعتمد على التحليل والشرح. وإبراز الرأي والموقف من قضية مثارة. ويأخذ بعنصر التقديم للفكرة المثيرة لاهتمام القارئ وعنصر الحقائق والشواهد المؤيدة لهذه الفكرة وعنصر النتيجة أو الخلاصة التي يخرج بها القارئ. و الإنكليز والأمريكيين يطلقون على المقال الافتتاحي اسم  (Leading Article) او اسم (Editorial Article) وهو المقال الرئيسي في الصحيفة. وله فن خاص به من حيث الصياغة. وأساسه الشرح، والتفسير، والاعتماد على الحجج المنطقية حينًا، والعاطفية حينًا آخر. للوصول إلى غاية واحدة وهي إقناع القارئ. ومعنى ذلك أن الغرض الأول له هو إبراز الرأي وكثيرًا ما يكون تعليقًا على أحدث الأخبار، أو الأحداث الجارية و هو وثيق الارتباط بالزمن الذي يصدر فيه، أما الغرض منه فهو عرض الرأي الذي تراه الصحيفة مناسبًا. و يعد من أهم فنون المقال الصحفي لاعتماده الشرح، والتفسير والإيضاح مبنيًا على الحجج والبراهين والإحصائيات والبيانات للوصول إلى الهدف المبتغى وهو إقناع القارئ. فهو يقود غيره من المقالات، ويتقدمها من حيث تعبيره عن رأي الصحيفة كمؤسسة ومن حيث تناوله لأهم الموضوعات بالقياس إلى سياستها التحريرية، ومن حيث المساحة الثابتة الممنوحة له، ولذلك فكثيرًا ما يكون بلا توقيع
وهناك من يقول: إن الافتتاحية هي عبارة عن تعليق سياسي يدور حول حدث آني أو قضية راهنة. ولكن للأهمية الخاصة التي أعطتها الصحيفة لهذا الحدث أو لهذه القضية دفعها إلى نشر هذا التعليق على شكل افتتاحية. ويترتب على ذلك أن تدرس الافتتاحية كأحد أشكال التعليق السياسي أو نماذجه. و ليس بالضرورة ان تكون مادة يومية.. وتحمل عنوانين أحدهما ثابت من قبيل (رأينا) أو حديث الصباح. والآخر متحرك يمليه مضمون الموضوع. و لهذا أن المقال الافتتاحي يعد إخباريًا في جوهره بمعنى أن فيه رأيًا يعتمد على تحليل الأخبار وتفسيرها واستقلالها في تأييد رأي سياسي أو آخر.
ب – سماته ووظائفه:
- المقال الافتتاحي (الافتتاحية) ليست حديثًا إقناعيًا عشوائيًا. بل يفترض أن تكون رصينة متزنة في العرض والتحليل.
- الافتتاحية حديث إقناعي سريع، يلزم صاحبها بأن يكون واسع الاطلاع، قادرًا على ربط الماضي بالحاضر والمستقبل، متمكنًا بالانطلاق من السياسي إلى غير السياسي ومن المنطق إلى العاطفة ومن الظاهر إلى المستتر.
- الافتتاحية هي مواكبة للخبر بحيث تكون شديدة الصلة بالجديد والآني من الوقائع والأحداث. إنما هذا لا يعني أن كاتب الافتتاحية ملزم بالخبر الجديد بل هو مدعو أكثر إلى معالجة المواضيع المهمة التي أصبحت قضايا ومشكلات تتخطى محدودية الزمان والمكان
- تتسم بالثبات على سياسة واحدة وهي سياسة الصحيفة. إذ لا يصح لهذه الصحيفة أن تكون مذبذبة بين سياسات كثيرة لأنها بذلك تفقد أهميتها كصحيفة من صحف الرأي.
- تتوخى الحذر والاحتياط في إبداء الرأي. وعلى الكاتب أن يصطنع الحيطة فيما يكتب من مواد باسم الصحيفة و إلا عرضها للخطر.
- تفسير النبأ، وبيان ما له من دلالة.
- على كاتب هذا المقال أن يلم بسياسة الصحيفة، ولديه القدرة على الصياغة السليمة، ومعرفة  اهتمام
- تتميز بالتبسيط و الإيناس في السرد، والإقناع عن طريق الشواهد والأمثلة، والتوجيه  والإرشاد لأنها :
- تعبر عن سياسة الصحيفة سواء كانت مستقلة، أو تابعة لحزب أو معبرة عن اتجاه سياسي أو اجتماعي أو فكري في البلد الذي تصدر فيه.
- تتابع الأحداث المحلية والدولية.
- تهتم بالقضايا التي تهم الرأي العام.
- تبرز الخلفية التاريخية للأحداث والقضايا.
- تستخدم لغة سهلة وبسيطة وأسلوب واضح
و لهذا يجب أن  يكون الأسلوب في الافتتاحية واضحًا، ومفهومًا، ويتجلى هذا أكثر ما يتجلى في صياغة العنوان واختيار الكلمات  واعتماد أسلوب سهل بمعانٍ واضحة وأفكار مترابطة
- لابد أن يكون موضوع الافتتاحية مهمًا وربما بالغ الأهمية. فالموضوعات العادية يمكن إيضاح الموقف منها بواسطة أنواع إعلامية أخرى كالعمود أو التعليق.
- مستوى معالجة الافتتاحية للحدث من حيث الشمولية والعمق والتحليل يقع في مكان ما بين التعليق والمقال والدراسة.
فالافتتاحية ليست مجرد تعليق صحفي سريع يكتفي بالإشارة إلى الحدث، ومن ثم تقويمه، وإبداء رأي الصحيفة. وهي كذلك ليست مقالا شاملا وعميقًا عن حدث مهم أو قضية معقدة يستخدم أساليب التحليل والتفسير، ويتعرض لمختلف جوانب القضية ويستعرض وجهات النظر المختلفة، ويقدم البراهين والحجج. وهذا الشكل من المعالجة مكانه المقالة الصحافية أو الدراسة الصحفية.
- تحتوي الافتتاحية كفن صحفي على شحنة فكرية مكثفة. تسعى إلى تحقيق وظيفة الدعاية أي نشر أفكار، وتأسيس قناعات جديدة أو تعديل قناعات سابقة.
- إذا كان التعليق يقوم جوابًا عن سؤال واحد فقط تجاه حدث محدد، فإن الافتتاحية تقدم أجوبة عن العديد من الأسئلة حول قضية معينة .
وهكذا نرى أن الافتتاحية هي نوع و فن صحفي مستقل ومتميز من حيث الموضوع، وطريقة المعالجة ومستواها، والأسلوب، والهدف، ومكان النشر والوظيفة. وفي المقال الافتتاحي تعبر الصحيفة عن موقفها إزاء حدث ما أو قضية معينة مأخوذة في مجمل سياق تطورها. وعليه تطرح الصحيفة رأيًا وموقفًا محددًا والحلقة الأساسية في الافتتاحية في طرح هذا الرأي أو الموقف هي الأدلة والبراهين والبيانات الموثقة. وهذا يفرض الأمانة، وسعة الاطلاع وبروز عناصر التحليل والتقويم وجعلها مهمة وأساسية على صعيد البينة الأسلوبية والصياغة، وكذلك على صعيد البنية الفكرية للمقال الافتتاحي. وعليه يمكن لهذا الفن الإعلامي المهم أن ينهض بمهمة القيادة والزعامة والتوجيه والإرشاد والتنشئة الاجتماعية، والوسيلة المؤثرة في تكوين الرأي العام. ولا يزال يقوم بهذا الدور في الصحافة الرفيعة انسجامًا مع رأي الصحيفة كمؤسسة اجتماعية
ج – أجزاء المقال الافتتاحي:                               
هي ثلاث فقرات: الأولى تشكل المقدمة، والثانية صلب المقال، والثالثة هي الخاتمة. وتتكون المقدمة من ذكر جزء من الخبر وشرح الموضوع من وجهة نظر سياسة الصحيفة يشكل صلب الموضوع. أما نهاية المقال فهي تضم ألفاظًا تؤكد ما رمت إليه الصحيفة من عرض هذا الموضوع و ركز البعض و بتفصيل أوسع، على إن المقدمة تحتوي على مدخل يثير الانتباه إلى أهمية القضية أو المشكلة التي يدور حولها المقال وتضم:
- عرضًا لفكرة مثيرة.
- طرحًا لقضية مهمة تمس مصالح القراء.
- إبراز خبر مهم يشغل الرأي العام.
- وصف مشكلة خطيرة موضع حديث الناس.
وهي تقوم بعدد من الوظائف منها:
- تهيئة ذهن القارئ لموضوع المقال.
- تذكير القارئ بالحادثة أو القضية.
- جذب انتباه القارئ ودفعه لقراءة المقال.
والمقدمة تختلف من مقال إلى آخر حسب طبيعة الموضوع. أما جسم المقال الافتتاحي فهو يحتوي على المادة الجوهرية من بيانات، ومعلومات، وأدلة وإعطاء الموضوع أبعاده السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والفكرية. و تعد خاتمة المقال من أهم أجزائه وعليها يتوقف اقتناع القارئ أو عدم اقتناعه بسياسة الصحيفة. وغالبًا ما تضم النقاط الآتية:
- خلاصة الأفكار والآراء.
- دفع القارئ إلى اتخاذ موقف تجاه موضوع معين.
- دعوة القارئ للمشاركة في إيجاد الحلول للقضية .
و لكن  جاك ريفيه وكذلك هيليه كريهوم قد أكدا أن لا مناص من أن تحتوي الافتتاحية على أربعة أجزاء رئيسية وهي:
(Title) - العنوان
(Introduction) - المقدمة
(Development) - التوسيع
(Conclusion) - الخاتمة
والعنوان يمثل عنصر الجذب الأساسي لأنه عنصر الاتصال الأول بين النص والقارئ، بين فكرة الكاتب والجمهور. ونجاحه يشكل نجاحًا في دفع القارئ إلى المشاركة في العملية الإعلامية. لذا يفضل أن يكون العنوان منبهًا لفضول الناظر المسرع في تصفحه. محددًا رغبته في الاطلاع والاكتشاف والمعرفة، طريفًا وربما غريبًا دون أن يسقط في الإثارة الرخيصة والابتذال. كما يفضل أن يكون موجزًا ومفيدًا بحيث يختصر ببراعة أهم ما في المقال، فكرة كانت أم رأيًا أم موقفًا أم تعليقًا أم توجهًا. أما المقدمة فهي عنصر الجذب الثاني أو العنصر المكمل لفعل التشويق والترغيب الظاهر في العنوان. وهي المدخل العاطفي أو العقلاني أو العلمي إلى الموضوع المعد للتحليل والتعليل والمناقشة. لذلك يلجأ كاتب الافتتاحية إلى جميع الوسائل الإنشائية والبلاغية الممكنة والمعروفة كأن يورد حكمة أو قولا مأثورًا أو مثلا يلتقي في إحدى النواحي مع الموضوع الوارد في التوسع. أو يستهل بتساؤل فيه إحراج أو غضب أو عتاب، أو برأي يثير الجدل حوله، أو بطلب يلتقي عنده الناس أو يفترقون أو بموقف موضوعي عقلاني. وقد يكون الاستهلال مكونًا من بعض عناصر الاستنتاج الذي سيصل إليه الكاتب في الخاتمة أما التوسع فهو يتضمن عرضًا للموضوع قضية كانت، أو مشكلة، أو حدثًا مفسرًا ومحللا ومعللا، ومعلقًا عليه وصولا إلى استمالة القارئ أو إقناعه بوجهة نظر معينة.
 فالتفسير هو شرح للوقائع والأحداث عن طريق إبراز تفاصيلها بدقة،
أما التحليل فهو فرز عناصر الموضوع بحيث يمكن النظر إلى كل عنصر على حدة والحكم عليه. وهذا الفرز يحقق الغاية الأساسية في الافتتاحية وهي إزالة كل لبس أو غموض يحيط ببعض جوانب الموضوع والتركيز على الأساسي المعول عليه. والتحليل أيضًا يتناول رأي الآخرين كما يتناول رأي الكاتب. فهو منهج في الجدل يطبق حيث تدعو الحاجة إلى التطبيق.
أما التعليل فهو ذكر الأسباب المؤدية إلى الأحداث. أما التعليق فهو تسجيل الملاحظات، وقد يقف عند حد الإشارة إلى الخطأ أو الصواب أو كليهما، وقد يتعدى ذلك إلى اتخاذ مواقف مؤيدة أو معارضة وفي النهاية الخاتمة، التي تأخذ أشكالا متنوعة. فقد تكون إعادة للعبارات التي بها الاستهلال. وقد تكون تثبيتًا مجددًا للرأي الذي أعلنه الكاتب وأقام عليه البرهان في التوسيع، وقد تكون استنتاج مبدأ عام. وقد تكون تركيبًا تعبيريًا يربط التوسيع بالمقدمة ويترك أثرًا فاعلا في القارئ .
د – الاتجاهات الحديثة في فن المقالة الافتتاحية:
تبقى المقالة الافتتاحية مادة إعلامية مهمة وضرورية في الحقل الإعلامي عبر الصحف اليومية وخاصة منها السياسية. إلا أن أهميتها تراجعت بعض الشيء لصالح العمود الصحفي بسبب عامل السرعة، وقدرة العمود على تقديم موضوعات أكثر ثراء، وكذلك من موضوعات جادة وخفيفة أحيانًا وطريفة أحيانًا أخرى، وربما يكون أحد أسباب تراجع مكانة المقالة الافتتاحية عدم توافر الكفاءات. ولكن هناك أساسيات ما زالت ثابتة.. أهمها:
- ثبات حجم المقالة الافتتاحية على شكل عمود واحد أو نصف عمود بعد أن كان سابقًا صفحة كاملة.
- توقيع المقالة حيث لا توقع من قبل كاتبها ولاسيما وأنها تمثل رأي الصحيفة. وقد بقيت توقع باسم كاتبها حتى الحرب العالمية الثانية. مع التذكير أن هناك بعض الصحف مازالت تعتمد اسم الكاتب في أسفل الافتتاحية وخاصة منها العربية.
- مكان المقالة الافتتاحية من الصفحة الأولى بالأساس إلى الصفحات الداخلية أحيانًا. ويمكن أن توضع في إحدى زوايا صفحة الرأي.
العمود الصحفي:
أ – تعريفه:
ينتشر هذا الفن الإعلامي انتشارًا واسعًا في الصحافة المعاصرة. تحت عناوين مختلفة تعالج قضايا متنوعة. ومن خلاله تبرز أسماء إعلامية، وفكرية مهمة نتعرف عليها كل يوم، ونلاحظ تزايدًا ملحوظًا في رصيدها الفكري والثقافي. فهو مادة صحفية تتسم دائمًا بطابع صاحبها، أو محررها في أسلوب التفكير، والتعبير. ولا تتجاوز في مساحتها عمودًا صحفيًا على أكثر تقدير. وتنشر بانتظام تحت عنوان ثابت، وتوقيع الكاتب. والعمود كان في نشأته عبارة عن فكرة أو رأي أو خاطرة من الخواطر ترد إلى ذهن الكاتب. فيكتب فيها سطورًا قليلة. وكثيرًا ما كان هذا الرأي يدور حول واقعة أو ظاهرة وقع عليها نظر المحرر في المحيط الذي يعيش فيه أو اقتراح حل لمشكلة ينشر في عمود أو جزء من عمود، ويظهر في مكان واحد ليعود إليه القارئ بسهولة. وقد يحمل عنوانًا ثابتًا من قبيل فكرة أو موقف أو نافذة. كما يحمل أحيانًا عنوانًا متحركًا يتغير حسب الموضوع. فهو بمنزلة مساحة محدودة من الصحيفة لا تزيد على (نهر) أو (عمود) تضعه الصحيفة تحت تصرف أحد الكتاب بما يعبر عن آرائه وأفكاره وخواطره أو انطباعاته فيما يراه من قضايا وموضوعات ومشاكل مناسبة. وليس هناك حدود أو قيود على المجالات والموضوعات التي يطرقها كاتب العمود و لذا يعد فنا إعلاميًا يستريح الكاتب في رحابه. إذ يقدم وجهة نظره الشخصية في الحدث أو القضية أو المشكلة المطروحة. غير أن ذاتية الزاوية تقع دومًا داخل إطار مسألتين مهمتين هما عدم التناقض التام مع التوجه العام للوسيلة الإعلامية، والالتزام بموضوعية الإعلام لدى طرح الرأي الشخصي.
ب – نشأة العمود الصحفي:
يعد العمود الصحفي ثمرة من ثمار الروابط الثقافية والاجتماعية التي ظهرت بظهور وتعزيز الترابط الاجتماعي المتعدد الوجوه، وتجاوب الصحافة مع الطبقات الجديدة في المجتمعات المختلفة. وعلى الرغم من أن لفن العمود الصحفي منزلة الصحفي الثابت، وأن عدد قرائه يزيد كثيرًا على عدد قراء الافتتاحية غير الموقعة، فإن تكامل العمود وشعبيته حديث العهد نسبيًا. فقد نشأت الأعمدة أولا في أمريكا سنة 1823 بعد استقرار الأحوال في الولايات المتحدة الأمريكية .فأخذت كل ولاية تعنى بمشاكلها الخاصة. وعرضت إنكلترا وفرنسا ظهور الصحافة الشعبية زهيدة الثمن في منتصف القرن التاسع عشر. وكانت الأعمدة تتعرض بالحديث إلى القارئ كصديق. وإذا جاز أن يحدد تاريخ ظهور أهمية العمود الصحفي فإنه من المرجح أن يكون ذلك التاريخ منحصرًا في أوائل القرن العشرين. فالصحف العربية كانت تعتمد على المقالة الافتتاحية التي كانت طويلة في البداية ثم أخذت تضيق شيئًا فشيئًا. وقد أخذت الصحف العربية عن الصحافة الغربية فن العمود الصحفي الذي اتجه في أوائل العشرينيات إلى العمود المتخصص أو الثقافي.. وكان أبرع من اشتهر بذلك من الكتاب يومذاك الكاتب الصحفي إبراهيم المويحلي
ج – خصائص العمود الصحفي:
طبعًا كاتب العمود الصحفي يكتب عادة على سجيته، وهو ليس مضطرًا دائمًا في الوصول إلى خلاصة تمثل موقفًا ورأيًا ملزمين. ويتمثل الكاتب فكرة أو خاطرة حول واقعة أو ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية. على أن تكون على صلة بالقارئ من قريب أو بعيد. وتتنوع أنواع العمود الصحفي ببروز حالات التخصص في المجال الإعلامي. ومن أهم خصائصه:
- العنوان الثابت بحيث يكون جذابًا، خفيفًا في النطق، مقبولا لدى الذوق العام.
 - مكان ثابت والتزام دقيق بمواعيد ظهوره .
- سهولة الأسلوب، وجماله، على أن يكون خفيفًا، موجزًا ومركزًا. ومن المستحسن ألا يكون الإيجاز والتركيز على حساب البيان والتوضيح الذي يصل بالعبارة إلى أعماق القارئ وعقله
و للعمود الصحفي عدة انواع منها العمود الصحفي كعمود الشؤون العامة، والنقد الاجتماعي والتجارب الشخصية، والطرائف والمفارقات، وخطابات القراء وأسئلتهم فضلا عن الأعمدة المتخصصة من علمية، وثقافية، ورياضية، وأدبية و العمود الذي يقوم على الحوار الذي يخلقه الكاتب  سواء على لسانه أو لسان غيره. وهي تتطور بسرعة كبيرة نتيجة المنافسة في وسائل الإعلام، وتطور التكنولوجيا، وطبيعة المستجدات التي تفاجئ القراء.
د – مقارنة بين العمود الصحفي والمقالة الافتتاحية:
يتفق العمود الصحفي مع المقالة الافتتاحية بأن له مكانًا ثابتًا، وعنوانًا ثابتًا، وينشر بانتظام، وتضم أجزاؤه الفقرات المتمثلة بالمقدمة وجسم المادة والنتيجة. ويختلفان في أن كاتب العمود ليس ملزمًا بالتعبير الحرفي عن سياسة الصحيفة. في حين كاتب المقالة الافتتاحية ملزم بذلك. كما أن العمود الصحفي يوقع باسم كاتبه في حين لا توقع المقالة الافتتاحية في أغلب الأحيان باعتبارها تمثل آراء هيئة تحرير الصحيفة كلها وليس محررًا بعينه . كما أن كاتب العمود الصحفي ليس ملزمًا بمنهجية دقيقة ومعقدة كتلك التي ترافق كتابة الافتتاحية، ولو كان من الممكن الالتزام بها. فإذا كانت الافتتاحية تمثل رأيًا رصينًا ورسميًا معبرًا عن توجه الصحيفة لتصدر في الصفحة الأولى أو الصفحة الأساسية، فإن العمود يمثل تعليقًا مرحًا أو رصينًا، أو مزيجًا من الهزل والرصانة. وأن العمود الصحفي يبنى على إحساس الكاتب، وقوة الأصالة، وجمال التعبير، والإثارة والإمتاع. وهي العناصر التي تكسب المقال العمودي خاصية الأدبية من بين فنون المقال الصحفي. ويتميز بجمال الأسلوب، وروح الفكاهة، والذاتية التي تميزه عن المقالة الافتتاحية. و أن العمود الصحفي بخلاف الافتتاحية يحمل الطابع الشخصي لكاتبه في الرأي والأسلوب. والصفة الموضوعية الغالبة في تحرير المقال العمودي هي النقد بصورته الشاملة. وقد يكون هذا النقد في صورة الشكوى من مواطن يعرضها كاتب العمود
 اليوميات والبحث الصحفي:
تعرف اليوميات بأنها نقل للأحداث، التي تشكل خواطر شخصية عاشها صاحبها وانطبعت في ذهنه، فحاول نقلها إلى القراء إتمامًا للفائدة، أو طعمًا في إمتاعه أو تثقيفه أو توجيهه في صورة غير مباشرة. وهي لا تبتعد عن أجواء الزاوية أو العمود إلا في ترسلها، ونفحتها الأدبية واسترسالها في البعد عن القضايا الشائكة والمعقدة فهي تعبير عن خوالج النفس، وروح المذهب الذي يعتنقه الكاتب، أو في نظرته للحياة. إذ يسجل هذا الفن المقالي خواطره المتناثرة التي تؤثر في القارئ. وهي خواطر تتصل بصلات من العاطفة والخيال. ذلك أن فن اليوميات يتضمن خاطرًا يلحق خاطرًا ويتبعه. فكاتب اليوميات يكتب وكأنه يتحدث في سمر حديثًا مطلقًا من كل قيد، ويدع الخواطر يسوق بعضها بعضًا بما بينها من روابط تستدعي تتابعها وتداعيها دون أن يعمل في ذلك عقله ومنطقه لينظم الترتيب والسياق. فهي أقرب إلى المحادثة المرسلة الحرة. إذ إن الكاتب يحدث القارئ كصديق دون إملاء أو استعلاء حتى تصبح شخصية الكاتب محبوبة، جذابة .
 أما البحث الصحفي فهو محاولة فكرية ذاتية للإجابة عن أسئلة مفترضة حول قضية أو موقف ما. إنه مقال طويل مكتوب بأسلوب مبسط جدًا، غايته شرح قضية مهمة من قضايا الساعة، أو إلقاء الأضواء على بعض المواقف والأحداث التاريخية التي لا تزال في ذاكرة الناس، وتواكب اهتماماتهم اليومية أو المصيرية. في البحث الصحفي نلحظ تحليلا وتعليلا وتفسيرًا لملابسات الوقائع والأحداث انطلاقًا من معطيات خاصة وشخصية أو من خلال علاقات مميزة بالذين يؤثرون في مجريات الأحداث. و هو يختلف عن الافتتاحية والعمود الصحفي كونه قابلا للتطويل والاسترسال، استطرادًا واستدراكًا للمناورة الكلامية. في حين الفنون الأخرى المذكورة تقتضي الإيجاز النسبي والسرعة .
تحرير المقالة:
يختلف الكتاب باختلاف تكوينهم النفسي والفكري والاجتماعي والثقافي. ويختلفون باختلاف تجاربهم. ويشكل الأسلوب جزءًا أساسيًا من تكوين البشر، مما يؤثر في أدائهم وأشكال تعبيرهم.  وتبدو الكتابة نتاجًا لشبكة متداخلة من العلاقات والمستويات في الفكر واللغة والتكوين النفسي، والتهيؤ العقلي. والإنسان بحاجة إلى اللغة للتواصل مع محيطه الاجتماعي. ومستوى الكتابة أحد مستويات التواصل اللغوي. وفي شتى العلوم لابد من التقيد بمعايير محددة مرتبطة بهذا العلم أو ذاك. ومنها الإعلام بمختلف أنواعه وأصنافه. فتحرير المقال الصحفي علم وفن وحرفة في آنٍ واحد  وأحيانًا ليس هناك قاعدة ثابتة لكتابة المقالة. فهي تكتب بطريقة لا تخضع فيها لنظام معين، بل يتبع هوى الكاتب وذوقه. لهذا لا يوجد لكتابة المقالة منهج يمكن اتباعه. و لكن هناك شروط يجب الالتزام بها .
ومن شروط الكتابة الجيدة لتحرير مقال ما هي :
- صحة اللغة وسلامة التعبير.
- الترابط والتجانس.
- الجمع بين المتعة والفائدة.
- حسن التنظيم والتقسيم.
- مراعاة الترقيم.
- الإقناع والتأثير.
- التجربة الإنسانية
ولا بد من الاعتناء بكيفية صياغة الجمل على أن تكون تامة، وأن يظهر كيان الجملة بوضوح، وأن يتم التعبير عن عناصر الجمل المتشابهة أو المتساوية في الأهمية بالطريقة نفسها لتحقيق نوع من التناسب بين أجزاء التركيب، كما يجب ألا تكون الجمل طويلة، وأن لا يتم الفصل بين عناصرها الأساسية
اما سمات كاتب المقال هي فهم نظري أكثر شمولية وعمقًا ومعرفة جدية بأساسيات الأمور. وذلك بشكل منسجم مع سياسة الناشر. والمقدرة على اقتناء المواضيع المناسبة في ضوء معرفة أهداف الصحيفة، ومتطلبات المرحلة، واهتمامات القراء. والإمكانية الفكرية والنظرية لفهم الوقائع، وتحليل الظواهر، ورصد اتجاهات التطور ودرجة رفيعة من الكفاءة على أن يكون لديه خلفية فكرية راسخة عن الموضوع الذي يخوض فيه، بحيث يستطيع أن يعرض  آراءه وأهدافه بشكل جلي ومبسط، فيخاطب بها مستويات القراء كافة، مما يوفر له مكانة تتزايد يومًا بعد يوم ومن ثم يتزايد تأثيره في الناس. كما يجب أن يكون محدثًا لقارئه لا معلمًا بحيث يجد القارئ نفسه إلى جانب صديق يسامره لا أمام معلم يعنفه وأن يكون زميلا مخلصًا يحدثه عن تجاربه ووجهة نظره لا أن يقف منه موقف الواعظ فوق منبره يميل صلفًا وتيهًا بورعه وتقواه. وما دمنا نشترط في المقالة الأدبية أن تكون أقرب إلى الحديث والسمر منها إلى التعليم والتلقين، وجب أن يكون أسلوبها عذبًا سلسًا دفاقًا . اما كاتب الافتتاحية. يجب أن يكون صادقًا دقيقًا في تحديد الغرض ووضعه في إطار الصالح العام، والحرص على إظهار الحقائق الموضوعية لمادة المقالة، واستخدام الأرقام والبيانات، ومعرفة نوعية قرائه ليتمكن من مسايرة عقليتهم ومفاهيمهم، وعدم الرد بقسوة على المعارضين لرأيه لأنهم قد يكونون على حق وضرورة أن يتمتع بالحاسة الصحفية الدقيقة التي تسمح له بتذوق الأحداث في محيطه وخارجه. وأن يكون ذا ثقافة عميقة، وذا حاسة اجتماعية مرهفة، وقدرة على الاندماج في المجتمع، وأن تكون لديه حاسة تاريخية بحيث يقيم الأحداث الجارية بضرب أمثلة تاريخية مشابهة. وأن يدرك أنه ليس معصومًا عن الخطأ، ولا يكتب شيئا ضد ضميره، وأن يؤازر زملاءه في تمسكهم بأعلى مستويات الاستقامة المهنية. كما يتحمل كتاب الافتتاحيات مسؤولية تجاه الجمهور، إذ يتحتم عليهم أن يكونوا من ذوي الاطلاع، الواسع وأن يجعلوا أنفسهم اختصاصيين في الموضوعات التي يكتبون فيها وأن يكونوا منصفين في الآراء التي يعبرون عنها. وقد أجمع العلماء على طريقة واحدة في صياغة هذا النوع من المقالة، الا وهو الشكل الهرمي على أن يكون الهرم في وضعه الطبيعي. أي معتدلا وليس مقلوبًا، كما هو الحال في طريقة صياغة الخبر. ويحرر العمود كالمقالة الافتتاحية على شكل هرم معتدل، يبدأ بالفكرة التي يدور حولها العمود ثم بعد ذلك يأتي الكاتب بالأمثلة والشواهد. فصياغة العمود تستند إلى قدرة الكاتب على مخاطبة الناس ومهاراته في استعمال الكلمات المناسبة .فكتابة العمود الصحفي هي أقرب إلى ما يسميه النقاد بنمط (المناجاة والأسماء) وأحاديث الطريق بين الكاتب وقرائه. وأن يكون فيها لون من الإفضاء بالتجارب الخاصة والأذواق الشخصية. وقد لجأ الكتاب إلى قالب الهرم المعتدل لتنظيم مواد المقالة. وهو قالب مناسب للفنون المقالية عمومًا. إلا أن الجديد في الصحافة الغربية بأنها لم تعد تكتفي بهذا القالب وهو الهرم المعتدل كقالب وحيد لصياغة العمود الصحفي مثلا. حيث بدأت الصحافة الأمريكية من تسعينيات القرن الماضي في التحرر من القوالب التقليدية. وأهم الاتجاهات الحديثة في القوالب: قالب الساعة الرملية، قالب المعلومات، والقالب النفسي. فالمهم أن يتوافر في العمود جمال الأسلوب والعناية بالألفاظ وأن يختار الكاتب أوقعها على العين، وأقربها إلى القلب، وذلك عن طريق استخدام بعض الصور البيانية والموسيقى اللفظية، ولكن بشرط ألا يغرق كاتب العمود بذلك بحيث يفقد العمود صفته الصحفية. ولابد من استخدام الجمل القصيرة التلغرافية التي تشمل أكبر عدد من المعلومات في أقل قدر من الكلمات . ومن المفيد أن يأخذ الكتاب عند التحضير لكتابة مقالاتهم بالحسبان ضرورة اعتماد مبدأ الدرس والتمحيص، بدلا من الطابع التعبيري الذاتي الحر والطليق واتساع نطاق المجالات الموضوعية، وظاهرة التخصص الإعلامي وأهمية مبدأي الصدق والموضوعية في النشاط الفكري والإعلامي.
المقالة الصحفية في الصحافة العراقية :
من خلال الاطلاع اليومي على الصحف العراقية  نلحظ أن طبيعة، وتعريف المقالة غير واضحين. بل توجد اعتراضات فعلية في الفصل بين ما هو قائم من عمود وأنواع أخرى من المقالة. وغالبًا ما يخضع هذا الموضوع لاعتبارات شخصية وليست مهنية بحتة. فالمقالة الصحافية يفضل أن تكون واسعة وشاملة، وتتضمن وجهات نظر عديدة. أما في هذه الصحف  العراقية بصورة عامة فإننا نلحظ أن المقالة تفتقد إلى الدراسة المعمقة وغالبًا ما تعبر عن وجهات نظر ضبابية. حتى أن زاوية الرأي غالبًا ما تكون غير واضحة  ولا تخرج عن سياسة الجو عام السياسي. أما المقالة الافتتاحية فهي وجهة نظر انتمائية بامتياز كأن تكون رسمية او حزبية او تعبر عن رأي المؤسسة  بامتياز. وتكون حسب الحدث الراهن. ولا تتناول في معظم الأحيان قضايا دولية، بل قضايا لها علاقة بالمنطقة انسجامًا مع السياسة الخارجية العراقية . وهي توقع دائمًا بتوقيع رئيس التحرير خلافًا للمتعارف عليه علميًا. فالأفضل أن لا توقع باعتبارها تمثل سياسة الصحيفة وليس رأي الكاتب نفسه. ومع ذلك نجد لأنواع المقالة الصحافية مساحات جيدة في هذه الصحف بشكل يومي أو أسبوعي وحتى نصف شهري،
الخلاصة
يرتبط فن تحرير المقالة ارتباطًا وثيقًا بالمهنية للإعلامي أو الكاتب. كما هو موجود في فن تحرير الخبر، أو الحديث الصحفي، أو التحقيق، كفن من الفنون الإعلامية المعروفة. كما يرتكز هذا الفن على الثقافة الواسعة لكتابه بما يمتلك من معارف وعلوم لصيقة بالمجتمع الذي يقطن فيه وما يجول حوله فضلا عن امتلاكه لناصية اللغة، من جمل مترابطة، وأسلوب سلس، وذوق إعلامي رفيع.
ويمكننا أن نستنتج مما سبق الآتي:
- إن المقالة لم تكن فنًا جاهزًا منذ نشأتها البكر. إلى أن تبلورت في عصر النهضة على الشكل الذي نعرفها فيه اليوم. ومنذ ذلك العصر كانت تتناول قضايا شتى كثيرة ومتنوعة منها:
الاجتماعي والثقافي، والفكري، والأدبي، والسياسي.
- إنها فن صحفي، إعلامي قابل للتطور والتطوير شكلا ومضمونًا. وهذا ما تعمل عليه الصحافة المكتوبة بالدرجة الأولى التي أعطتنا كتاب مقالة عالميين في الغرب بخاصة، استطاعوا تطوير هذا الفن بمدى واسع
- لم تعد المقالة فنًا أدبيًا وصحفيًا حديث العهد في محيطنا العربي. وتطورت مع عصر النهضة والتنوير الفكري، وبروز المذاهب والتيارات الفكرية، والشعور بأهمية التطوير وإحداث تغيير في حياتنا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية.

د أقبال المؤمن 
 
المراجع
- د. عبد العزيز شرف. الأساليب الفنية في التحرير الصحفي. القاهرة 2000
- د. عبد العزيز شرف. فن المقال الصحفي. القاهرة 2000
- د. صالح أبو إصبع، د. محمد عبيد الله. فن المقال – أصول نظرية – تطبيقيات – نماذج. عمان 2002
- د اقبال كاظم المؤمن فن التحرير الصحفي بغداد 1995
- د. زكي نجيب محمود. جنة العبيط أو أدب المقالة. القاهرة 1947
- د. أديب خضور. مدخل إلى الصحافة نظرية وممارسة. دمشق 1991
- د. فريال مهنا. نحو بلاغة إعلامية معاصرة. دمشق 2003
- د. نبيل حداد. في الكتابة الصحفية. إربد 2002
- د. إبراهيم إمام. دراسات في الفن الصحفي. القاهرة 1972
- محمد يوسف نجم. فن المقالة. بيروت 1963
- د. جان كرم. مدخل إلى لغة الإعلام. بيروت 1986
- د. عبد اللطيف حمزة. المدخل في فن التحرير الصحفي. القاهرة 2002
- د. إجلال خليفة. اتجاهات حديثة في فن التحرير الصحفي. القاهرة 1972
- د. فاروق أبو زيد. فن الكتابة الصحفية. القاهرة 1985

الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

تقاطع الخطاب الاعلامي العراقي



تقاطع الخطاب الاعلامي العراقي - المشكلة ام الحل
بعد عصر المدفعية و عصر التجارة والمال باتت تقنيات الاتصال وشبكاته تمثل الجيل الثالث من الهيمنة على الشعوب أي انها امتداد عضوي لإرادة الهيمنة فإذا كانت الهيمنة الثقافية هي متلازمة إرادة الهيمنة السياسية، فإن الإعلام هو الحاضنة المترجِمة لتلك الإرادة. فحين تهيمن على مجتمعا ما ينبغي أن تهيمن على:
أولاً، الفضاءات والمواقع الجيوستراتيجية
ثانياً، الثروات الطبيعية، وبخاصة موارد الطاقة
ثالثاً، الأفكار و كيفية توظيفها لصالح المهيمن
وهنا بيت القصيد الهيمنة على الافكار واهم أدوات الهيمنة عليها هو الاعلام بوسائله المختلفة و يتصدرها في عالمنا اليوم الفضائيات فهي الوسيلة الاعلامية التي تسوق لنا الافكار في كل الميادين الفكرية وتفتح لنا كل الابواب المعرفية المغلقة مثل باب التغيير و الديمقراطية و حرية الرأي و الرأي الاخر و الدين و العقيدة و الوطنية و الولاء وغيرها من المفاهيم الفكرية .ولكن أي من هذه المفاهيم الحياتية سياسية كانت ام علمية فلسفية ام تاريخية دينية ام ادبية تسوقه لنا الفضائيات العراقية للهيمنة على افكارنا و هل ما تنتجه من هذه المفاهيم منتج صالح للتداول و التطبيق ام منتهي الصلاحية و لماذا ؟ كثيرة هي التساؤلات و المنتجات الفكرية التي تصلنا من خلال الخطاب الاعلامي الفضائي العراقي .
دعونا اذن نتعرف على كيفية و نوعية ما يصلنا من هذه المعارف لنبدأ اولا بمفهوم التغيير و كيف انتج و سوق من خلال هذا المنظور الفضائي الاعلامي العراقي !
باب التغيير و لكن أي تغيير ! فهل يا ترى ما نراه ونسمعه اعلاميا هو التغيير نحو الديمقراطية و حرية الرأي و ما يكفلهما ؟ وهل الذي طرأ على الساحة الإعلامية العراقية بخلافها و اختلافها و تنوعها وتقاطع خطابها الاعلامي نعده من باب التغيير ؟ و هل هو ضمن السياق الطبيعي لتطور الافكار ؟ وهل له معنى او لا معنى له خارج سياقه الطبيعي ؟
إذ تشير جملة من العوامل الجيوسياسية إلى توظيف الأنظمة والكيانات السياسية للإعلام الفضائي و خطابه فيما يخدم أهدافها ويضمن بقاءها وديمومتها،و لا سيما في غياب أي تغيُّير بنيوي حقيقي نوعي في النظام السياسي العراقي الحالي لا قبل و لا بعد دخول الامريكان للعراق .
فإذا كان مالك المحطات الفضائية هو النظام او المنتمي للنظام او الذي يسعى الانتماء له بصوره مباشره او غير مباشرة وكل مالك من هؤلاء مهما اختلف تسميته و صفته نشأ وترعرع و انتمى الى حقبة الدكتاتورية الى حد التجذر فعن أي دور سياسي وطني حر يمكن أن نتحدّث و عن أي حرية رأي و تغيير نوعي نتكلم؟!
لا بل الأجدر بنا أن نبحث عن النقيض للوطنية و التفرد وتغليب المصالح الخاصة و التجاهل والتلاعب و الاقصاء و التهرب من المسؤولية في الخطاب الاعلامي .
فكل فضائية تعد ذراعاً إعلامية لجهاز دولة أو كيان او حزب سياسي و وسيلته لتأكد حضورها والدور المناط بها تجاه مالكها .
فإذا كانت الحاجه في ظهور نظام جديد في وقتنا الحاضر يحقق الديمقراطية فإن حاجة الكيانات السياسية و الاحزاب في البقاء يفرض عليها التكيف مع هذا النظام ومتطلباته ومن هذه المتطلبات الا وهو مجتمع الاتصالات وعلى رأسها القنوات الفضائية.
إذاً الفضائيات العراقية المدعومة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من قبل جهات داخل او خارج العراق هي آلية تكيَف تلك الجهات مع تحديات ومتطلبات التغيير المزعوم او الديمقراطية الوليدة وهذا ما تؤكده برامجهم التي تبث على شاشاتهم. اما كيف تعاطت هذه الفضائيات مع فكرة التثقيف للديمقراطية الجديدة ؟ هذا ما سنراه
بما ان هذه الفضائيات شاءت ام ابت تؤمن بأن التغيير لا يمكن أن يبدأ إلا بثقافة ديمقراطية ولا يمكن أن يتجذر إلا بها وإلا فإن كل الأشكال والتدابير تقف عند حدود تغيير في الشكل فقط بأن تحل سلطة لا ديمقراطية محل سلطة لاديمقراطية لذا عمدت على تحقيق ديمقراطية افتراضية تعيق بناء الديمقراطية الحقيقية و بفضل القيمين عليها .
و بهذه الحقيقة الواعية المرة اضطرت هذه الكيانات و الاحزاب السياسية القائمة و المالكة و المتسلطنة على سطوة الاثير للتعاطي فكريا مع آمال ومطالب الشعب الذي انكوا بنار الاستبداد والطغيان السياسي وبعد ان اصبحت هذه الآمال ارادة قوية تشكل تهديداً مباشرا لبقاء او ديمومة أي استبداد سلطوي مها كان مصدره يحاول ان يقضي على طموحها ناهيك عن انها تنفست القليل من نسائم حرية الرأي و الرأي الاخر فسارعت هذه الكيانات وبكل جهودها احتواء هذا الخطر الاتي من ارادة الشعب لتقدم و تسوق له ديمقراطيتها الافتراضية من خلال قنواتها الفضائية التي تحمل وهم التغيير.
وهذا المنظور الافتراضي للديمقراطية غيب الكثير من المفاهيم الأساسية والثوابت البنيوية للمجتمع و التي لا يختلف عليها اثنين لذا غاب عنها بل تغيب مفهوم جوهري كمفهوم “السيادة” و المرتبط تماماً بالثقافة والممارسة الديمقراطية. فهذا التغييب المقصود و الممنهج لمفهوم السيادة من شأنه إرباك منظومة أخرى من المفاهيم فبغياب السيادة يتهاوى مفهوم “الوطن” وبالتبعية مفهومي “المواطَنة” والمواطن. ومن هنا اندفع الإنسان العراقي غريزياً، كما يُراد له من قبل الفئات المهيمنة نحو أطر تفسيرية أضيق يبحث فيها عن ذاته المفردة ”الأنا”، وذاته الجمعية ”النحن،” ليجدهما في دوائر تمسخ كليهما وتحيلهما إلى دوائر هزيلة وهشّة وغير قادرة على تخليق وإضفاء معنى على وجوده الشخصي والاجتماعي والسياسي دوائر من قبيل الفئة والطائفة والعشيرة والمذهب. وفي مجتمع كالمجتمع العراقي، تغدو تلك الدوائر الضيقة والمتصارعة منافساً وبديلاً وإجهاضاً لمفهوم الدولة العصرية. وفي مثل هذا الجو وهذا التدافع نحو الدوائر الصغيرة والمتصارعة تصبح غريزة البقاء هي الغريزة المهيمنة والناظمة لسلوك الجماعة وكما يصبح من الممكن والمتوقع الدفاع براغماتيا عن دولة مشرذمة (دولة الفئة أو الطائفة أو العشيرة أو المذهب) تُقدَّم فيها الرغبة بالبقاء والأمن والأمان على أية رغبات أخرى (كالرغبة في العدالة والحرية والتحرر).وهنا يصبح من الطبيعي ان نرى خطاب الفضائيات العراقية خطاب إجهاضي يرمي إلى تزييف واغتيال الوعي الجمعي لا لخلقه أو تشكيله وإنتاج ظرف سياسي مواتٍ لاستمرارية مثل هيمنة أطراف محلية كالعشيرة و الكتل السياسية و الاحزاب المدنية و الدينية وأطراف خارجية و دولية . وبعد هذا لا نملك إلا أن نتساءل استهجاناً: “فعن أي تغيير تتحدّث فضائياتنا وعن أي افكار بنيويه تسوقها لنا وعن أي مفاهيم بنائه تدافع عنها ؟!”
ونتساءل مرة اخرى هل يوجد خطاب اعلامي عراقي موحد متناغم منسجم مع الذات العراقية ام خطاب فئوي قومي مذهبي طائفي حكومي متقاطع بعضه مع البعض الاخر ؟ ولكي نعرف نوعية الخطاب الاعلامي العراقي لابد أذن من القاء نظرة سريعة على القنوات الفضائية العراقية من حيث الملكية و النشأة و الاهداف و ما تسوقه لنا من افكار متقاطعة .
بعد احداث مارس 2003 دخل العراقيون مرحلة الفوضى الخلاقة كما اسموها و اندمج الشعب العراقي عشوائيا مع المجتمع الدولي من خلال تكريس قيم الاتصال بالآخر عبر الأثير حيث أنشئت العديد من الفضائيات العراقية التي بلغ عددها حتى الآن أكثر من 50 فضائية أغلبها تبث على قمري (النايل سات) و(الهوت بيرد). لتشكل حزمة جديدة من الإعلام الفضائي الذي يحاكي متطلبات ما بعد إبريل 2003 . فهذه الفضائيات على الاطلاق لم تكن متهيئة مسبقاً نحو خطاب إعلامي عراقي يحاكي الشارع العراقي و يمد جسور التفاهم مع نظامه السياسي الجديد بطريقة مسؤولة إلا في حدود ضيقة .حيث تتلخص دافعية انتشار تلك القنوات في توجهها سياسياً أو دينياً أو معتقداً معيناً ولا توجد قوانين ضابطة لها ولا مواصفات مسبقة للقيمّين عليها، فهي استفادت من حرية الفضاء المفتوح اصلا لا الفضاء الذي هي فتحته بإرادتها وارادة خطابها الاعلامي وإذا أردنا أن نصف أثير الفضائيات العراقية الحالية فإنها تتوزع على النحو التالي:
1- الفضائيات الشبهة رسمية و الممولة من الحكومة المركزية متمثلة في شبكة الاعلام العراقية فشبكة الاعلام العراقية تعتبر هيئه مستقله مرتبطة بالبرلمان وهذا ما اضفى عليها صفة الشبه رسميه .قناة العراقية التابعة للشبكة درب كادرها من قبل شركة أمريكية متخصصة نالت العقد بشراكة مع قناة (
LBC) اللبنانية حيث أدخل كادر هذه الشبكة و على رأسها القناة العراقية في دورات تم الاعداد لها في بغداد ولبنان ودبي وأمريكا ولندن وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وأنفق عليها مبالغ ضخمة تتجاوز 200 مليون دولار لتقف على أنقاض القناة العراقية الرسمية السابقة- مؤسسة الإذاعة والتلفزيون - في الصالحية التي تعد أول قناة عربية ارضية أنشئت في المنطقة عام 1954 وهذه القناة أي (العراقية) تتأرجح بين خطاب الحكومة العام وخطاب الأحزاب التي تتكون منها الحكومة و مدعومة كلياً من الحكومة بميزانية تصل إلى ما يقرب مائة مليون دولار سنوياً علما ان الكوادر التي دربت آنذاك مهمشة الان لان كل مدير عام يترأس الشبكة يأتي ومعه كادر موالي له في كل شيء الا مهنة الاعلام و اغلبهم من الاهل و الاقرباء و البعيدين كل البعد عن الاعلام الاكاديمي لذا نرى برامجها تتبع ولاءات مديرها العام للساسة او للكتلة او الحزب او المذهب الذي ينتمي له لان منصب مدير عام الشبكة يخضع للمحاصصة .و يتبع الشبكة مجلس يسمى مجلس الامناء ويتكون من تسعة اشخاص و بدرجة وكيل وزير لكل امين منهم وتخضع كراسي الامناء في هذا المجلس هي الاخرى للمحاصصة لا للتخصص و التحصيل الاعلامي الاكاديمي ناهيك عن الدولة او البلد الذي يرتبط معه المدير العام بمصالح خاصة لذا يغلب على برامجها طابع الحياد تجاه الوطن في احيان كثيره او التجاهل او السكوت عما يجري بالبلد وضمنيا نراها بعيده عن مفاهيم كثيره كالسيادة و حقوق المواطنة و ثوابت الولاء الوطني او الوطنية و التشرذم السياسي و حرية الرأي و الرأي الاخر بالمختصر المفيد هي في وادي و الشعب العراقي في وادي اخر و لا نسمع منها وبكل تشكيلتها غير ترديدها لصدى صوتها ومن تواليه و هي مكشوفه امام المتلقي العراقي لذا لم تؤثر به اطلاقا .وتحتوي شبكة الاعلام العراقي على قناة العراقية ,الرياضية , الفرقان
2- الفضائيات المسيسة : وهي فضائيات تابعة للأحزاب والكيانات و الكتل ورجالات السياسية التي تتوزع على مناطق بغداد المنطقة الوسطى إقليم كردستان وفضائيات الجنوب وهي تمثل النوع الأكبر بين الفضائيات العراقية المسيسة ويبلغ عددها اكثر من 25 قناة وهذه الفضائيات تمثل لسان حال القوى السياسية الممولة لها والتي تعبر عن خطابها الأيديولوجي والاثني والمتمثلة في الفضائيات التالية : بغداد الفيحاء، الزوراء، صلاح الدين، بلادي، عشتار، الرافدين، آشور، آفاق، المسار، كوردستان، كردستان، الوطن، تركمان، السلام، الفرات، الكوفة، بابل , الرشيد, الرأي, الحدث , دجله اسيا , و سما الموصل ,
3- الفضائيات التجارية الربحية وهي في الغالب تتلقى دعماً خارجياً عربياً ودولياً تتميز بأنها قادرة على تشغيل كفاءات عراقية كانت قد تدربت اكاديميا في الحقبة السابقة ولها تاريخ لا بأس به في العمل التلفزيوني والإعلامي العراقي ممتزجة بخبرات عراقية وافدة من الخارج بعد ان عاشت فترة طويلة في الغربة بسبب الهجرة او التهجير من العراق لأسباب تنحصر بين السياسة و الطائفية و المذهبية . وتتلخص دوافع مثل هكذا مشاريع تجارية بالربح قبل كل شيء لكنها بالتأكيد لها أهداف وتوجهات فكرية تحاكي ثقافة مالكيها تتمثل في (الشرقية، البغدادية، السومرية، الديار , المنصور)
4- الفضائيات الترفيهية تهتم هذه الفضائيات بالموسيقى والغناء لا غير وهدفها التسلية و الترفيه و في الغالب يقتصر بثها على الفنون الغنائية والرقص والكليبات لاجتذاب جمهور يرسل المسجات عبر (السبتا يتل او البنر ) وهي بمثابة حصالة دراهم من أجل الربح السريع فقط مثل اغانينا ,و قيثارة
5- الفضائيات الثقافية المستقلة وهي رغم قلتها يحاول القيمون عليها أن يقدموا ثقافة المجتمع العراقي المستهلكة قدر المستطاع إلى العالم والمجتمع الدولي بطريقة لا بئس بها تعتمد على الإرث العراقي مثل قناة الحرية ,
6 - الفضائيات القومية و الدينية وهي ناطقة باسم الاديان و الطوائف و المذاهب المختلفة في العراق وهي الاكثر عددا و انتشارا و هدفها التدخل في حياة الافراد الشخصية بكل شاردة او واردة .الفرقان , كربلاء , الرافدين ,عشتار, اشور, كردستان ,
ان الفوضى الخلاقة التي أوجدت هذا الكم من القنوات الفضائية مرتبطة من دون أدنى شك بأكثر من متغير:
- عدم وجود قوانين محددة للعمل الإعلامي
- إلغاء وزارة الإعلام العراقية، التي كانت تمارس دور تنظيم العملية الإعلامية والإشراف والرقابة الصارمة على الأجهزة الإعلامية حتى الرسمية منها والتي ألغت كلياً فكرة وجود قنوات خاصة أو إعلام حر
- ضعف دور وزارة الثقافة و الاتصالات بسبب المحاصصة
هذا ما فتح الباب على مصراعيه لان تجول وتصول القنوات انفة الذكر في العراق دون رقيبا او حسيبا . لذا نرى اغلبها وخاصة الحزبية منها تشهر العداء لخصومها السياسيين وتصعّد من نبرتها الطائفية بين الحين والاخر لخدمة مصالحها الخاصة و التي تتماشى مع ما يحدث من صراع على الساحة بين الكيانات السياسية المتصارعة حتى اللعنة وتشن حرباً خطابيا اعلاميا على منافسيها مع التدني في كثير من الأحيان إلى مستوى الشتائم والتشهير متناسية المسؤولية الاجتماعية التي من المفروض التمسك بها و هي من ابسط ثوابت الاعلام .
أما قضية تمويل هذه الفضائيات فهو متشابك يتأرجح بين دعم مالي حكومي داخلي وخارجي ودعم تجاري (تبييض أموال) تجار ما انزل الله بهم من سلطان ودعم مالي سياسي خارج و داخل البلاد ودعم مالي طائفي و مذهبي من دول الإقليم ودول كبرى و غيرها من الجهات و بمختلف المسميات وهذا الدعم المالي يشكل أكبر تحد امام مصداقية تلك القنوات والقيمين عليها .
اما ما نوع الخطاب الاعلامي لهذه الفضائيات وما يحمل من مضامين فحدث بلا حرج لأنه يمثل حالة فريدة من نوعها يصل إلى حد التناقض التام فيما تبثه هذه الفضائيات و نظيراتها فالمنافسة حادة جدا لكننا بشكل أو بآخر نجد ان الخطاب الاعلامي لهذه الفضائيات يذكي الصراع السياسي الملتهب على الساحة العراقية و لهذه الاسباب تجد اغلب الفضائيات نفسها داخلة في خصومات سياسية عديدة مما يعرض كادرها للخطر لذا راح ضحية هذه الخطابات اكثر من 150 صحفيا و اعلاميا و احيانا التصفية الكاملة للقناة. هذا من جهة و من جهة اخرى تعتمد هذه الفضائيات على مصادر سياسية في حصولها على الأخبار و بالذات من البرلمانيين بصورة خاصة او ساسة العراق بصورة عامة و اغلبهم للأسف الشديد لا يعرفون كيف يخاطبون الجمهور ولا يميزون بين جمهور واخر و لا يهمهم مع أي جمهور يجب ان يتحدثون و أي جمهور يخاطبون وماذا يريدون بالخطاب و ماذا يحمل هذا الخطاب من اهداف و توابع و ماذا يعني الخطاب الاعلامي اصلا لانهم لا يفقهون الف باء الاتصال ولا بعلم نفس الاتصال وهذا انعكاس حقيقي لبئس السياسي العراقي بالأعلام و هيمنته و دوره في التأثير و التأثر و صياغة الرأي العام و من خلال مراقبتنا للوضع السياسي و الخطاب الاعلامي نلاحظ ان اغلب ما يطغي على الخطاب السياسي نرى ان الجميع ينادي بالوطنية و الدستور ومتخذيه ستارا لكل ازمة سياسية ولكن لم نسمع او نرصد انهم تفانوا من أجل جمع الشمل العراقي و ترتيب البيت العراقي باسم الدستور والقانون .
كما نلاحظ ان الخطاب السياسي يمتاز بالشمولية الضيقة و العمومية السطحية و السرد الوصفي المفتقر لجوهر الحدث فهو لا يسمي الاشياء بمسمياتها وهذا ما يفقده المصداقية و يدخله باب الاشاعات فمثلا عند التحدث عن الفساد و المفسدين يبتعد المرسل البرلماني او المسؤول عن ذكر اسمائهم وما هي عمليات الفساد التي ارتكبوها فلذا يطغى على خطابهم صيغة العموم التي تقترب من الخطاب الهلامي الزئبقي الساذج معتقدين انه خطاب نوعي الا ان هذا الخطاب يفتح كل الابواب على مصراعيها فتكثر الاقاويل و الاشاعات و التلفيق و السخرية و الكثير من المبالغات في نقله التي لا يتحملها الشارع العراقي وبدل ان يكون الخطاب يزن الامور بعقلانية نراه يخلط الاوراق و يبعثرها و هذا ان دل على شئي يدل على عدم معرفة السياسي بأدوات الاعلام وكيف يتعامل معها هذا اولا وثانيا لا يحسب حساب توابع ما يقول و كيف يؤثر على الرأي العام العراقي لذا نراه يخرج من مطب ليقع بمطب اخر اعمق منه يكلفه الكثير بما فيه شعبيته و مكانته السياسية و الاجتماعية معا .
اما الخطاب الاعلامي لمؤتمراتهم فهي الطامة الكبرى لا يدركون ان المؤتمر يجب ان يأتي بمنعطف سياسي جديد ضمن احداث غير مطروقة لكن للأسف اغلب حقائق مؤتمراتهم تعبر عن وجهات نظر كتلهم و احزابهم و يمكن القول اخبارهم وما يتناقلونه من احداث اغلبها مستهلكة لا تسمن ولا تغني من جوع ! في وقت يبحث فيه الشارع العراقي عن فسحة امل يتمسك بها . ناهيك عن الخطاب السياسي في المؤتمرات الخارجية و المحافل الدولية فهو اكثر بؤسا من الخطاب الداخلي فنراه اما فئوي طائفي او استجدائي تبريري و في كلا الحالتين يأتي على حساب كيان الدولة العراقية و شعبها و يعطي انطباع على تشرذمها و تفكك بنائها و غياب وحدتها و بالنتيجة نرصد خطاب سياسي عبارة عن شعارات عامّة، فضفاضة لا تأخذ منها لا حقاً ولا باطلاً او خطابا فلسفيا سفسطائيا بعيد كل البعد عن مسامع المتلقي المقصود و الأسوأ من هذا وذاك يفترض ان يكون السياسي ذات توجهات سياسية مدنية و يرتكز على ثوابت خطها له الدستور و اسس سياسية تدرب عليها من خلال كتلته او حزبه لينتج خطاب سياسي واضح وهدف معين وطريق مرسوم و اثق الخطى الا اننا نجده مأزوم مهزوم سرعان ما يتأثر بخطبه من هنا و قول من هناك فيهرول ليردد ما قيل وما سمع كالببغاء المضحك المبكي
اما الخطاب الاعلامي في الازمات الكبرى التي تعصف في البلاد مثل التفجيرات المستمرة و الفساد و الارهاب الداعشي و سوء الخدمات ومحاسبة السراق و ضعف الاداء البرلماني و الحكومي و تهريب الاموال و التورط بالمشاريع الوهمية و عقود النفط الكارثية التي رهنت نفط العراق على حساب الاجيال القادمة و اذكاء الطائفية و المذهبية و غيرها الكثر نرى الخطاب الاعلامي متقاطع كل يبكي على ليلاه و ليس على العراق
فأزمتنا أذن ازمة خطاب سياسي لأنه متقاطع مع بعضه البعض بعيد عن الوطن و المواطن يتعايش على الفتنه و الطائفية وقلة الوعي بمفهوم الوحدة و السيادة غارق في تبعية الحزب و الكتلة و المذهب و الطائفة لا يحترم القانون ولا يقدس الدستور ولا يعير اهمية لمشاعر المواطن و مصالح الشعب وانما يسعى لتحقيق مكاسب وقتية و مصالح حزبية و شخصية ضيقة ينهار امام ابسط امتحان لأن قاعدته المعرفية فعل ورد فعل غير مدروس ولا مستند على حقائق معينة وهذا ما لاحظناه من خلال التصريحات الكثيرة التي ادلى بها سياسيون ادت الى قطع جسور التفاهم بين المواطن و السياسي و بين الشعب و السلطة الحاكمة و انهارت الهالة المتحصن بها و اسقطت اغلب الرموز و انتجت لنا ظاهرة جديدة هي ظاهرة البرلماني التلفزيوني القوال الذي يتبعه هامش من التعليقات و التندر القاسي على قاعدة ( انا اصرح ...اذن انا موجود ) وهي جزء من تقاسم الادوار في التسويق الاعلامي فكم من مرة كرر السياسيون جملة ( حكومة شراكة وطنية ) والاستحقاق الانتخابي وآلية انتخاب رئيس الوزراء والتدخل الخارجي ونحن لانهمش احد وتطبيق اليات الدستور و لكننا لم نسمع تصريحا و احدا موحدا عن العملية التنموية والعملية التربوية والامنية والقيمية و البيئية و الصحية والاقتصادية و القضائية و الموقف من الارهاب وحجم الفساد الحقيقي وما هو الخلاف و الاختلاف بين الكتل و الاحزاب و اين الوطن من كل ما يدور في العراق و غيرها الكثير التي هي من اولويات اهتمام الشارع العراقي
علما ان ظهور تسمية السلطة الرابعة في بداية نشوء الانظمة الديمقراطية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر عندما قال المفكر الانكليزي الايرلندي (أدموند بروك) امام مجلس البرلمان البريطاني: ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت سقف البرلمان لكن هناك في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة وهي اهم منكم جميعا!
و هذا يعني ان الخطاب الاعلامي و الاعلام بصورة خاصة اقوى من السلطة التشريعية و التنفيذية و القضائية لو استثمرت و وجهت بصورة صحيحة
فكم نحن بحاجة للخطاب الهادئ الناضج الدقيق الواعي الحر في الاعلام العراقي ليكون اقوى واهم من كل السلطات في بناء الانسان العراقي وهو الهدف و الوسيلة معا لبناء العراق.
وعلى رأي الشافعي حين قال :

وأنطقت الدراهم بعد صمت ..... أناسا بعدما كانوا سكوتا
فما عطفوا على أحد بفضل ..... ولا عرفوا لمكرمة ثبوتا
د أقبال المؤمن